منوعات

محمد غزال يكتب: بين الحفاظ على الدولة وتحمل المسؤولية.. هل آن أوان مراجعة السياسات الحكومية؟

حجم الخط:

تواجه الدولة المصرية مرحلة دقيقة تتشابك فيها التحديات الاقتصادية والاجتماعية مع تطلعات المواطنين إلى حياة أكثر استقرارًا وكرامة، في ظل تصاعد التساؤلات حول جدوى السياسات الحكومية وقدرتها على تخفيف الأعباء المعيشية وتحسين مستوى الخدمات الأساسية. وفي قلب هذا المشهد يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن الحفاظ على استقرار الدولة وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم، إذا كان قطاع من المواطنين يشعر بأن السياسات المتبعة لم تحقق تطلعاته، وأن الأعباء اليومية أصبحت تفوق قدرته على الاحتمال؟

 

إن الدعوة إلى الحفاظ على الوطن مبدأ وطني لا خلاف عليه، لكن الاختلاف يبدأ عند مناقشة الوسائل والسياسات التي تحقق هذا الهدف. فالوطن ليس مجرد مؤسسات وحدود ومشروعات، وإنما هو أيضًا المواطن الذي يبحث عن الغذاء المناسب، والتعليم الجيد، والرعاية الصحية اللائقة، وفرصة العمل المستقرة، ومستقبل أفضل لأبنائه. ومن ثم، فإن الحفاظ على الدولة لا ينفصل عن حماية المجتمع من الضغوط التي قد تهدد تماسكه، ولا يمكن اختزال الاستقرار في استمرار الأوضاع القائمة دون مراجعة أو تقييم.

 

_المسؤولية المشتركة لا تعني تساوي الأعباء_

 

عندما يتحدث رئيس مجلس الوزراء عن تعزيز الوعي المشترك بحقيقة الأوضاع والتحديات التي تواجه الدولة، وعن ضرورة الحفاظ على الوطن، فإنه يطرح قضية تستحق النقاش الجاد. فلا توجد دولة تستطيع مواجهة أزماتها دون وعي شعبي بالتحديات، لكن الوعي الحقيقي لا ينبغي أن يتحول إلى مطالبة المواطن بتفهم القرارات وتحمل نتائجها، دون أن يقترن ذلك بمراجعة السياسات الحكومية ومحاسبة المسؤولين عن نتائجها.

 

فالمواطن يتحمل مسؤولية احترام القانون والحفاظ على الممتلكات العامة والمشاركة الإيجابية في المجتمع، بينما تتحمل الحكومة مسؤولية مباشرة عن إدارة الموارد، وتصميم السياسات، وتحديد الأولويات، وتقييم النتائج، وتصحيح الأخطاء. ولذلك، فإن وصف الحفاظ على الاستقرار بأنه مسؤولية مشتركة لا يعني توزيع المسؤولية بالتساوي؛ لأن امتلاك السلطة يفرض التزامات إضافية، ويجعل المساءلة جزءًا أصيلًا من مسؤولية الحكم.

 

_الإستقرار الحقيقي يتجاوز بقاء المؤسسات_

 

لا يمكن إنكار أهمية الاستقرار السياسي والمؤسسي، ولا تجاهل ما شهدته مصر عقب أحداث عام 2011 من اضطرابات وتحديات تركت آثارًا على الدولة والمجتمع. غير أن استحضار تلك المرحلة ينبغي أن يكون مدخلًا لاستخلاص الدروس، وليس وسيلة دائمة لتأجيل تقييم السياسات الراهنة أو إغلاق باب النقاش بشأنها.

 

فالمجتمعات لا تستطيع بناء مستقبلها اعتمادًا على مخاوف الماضي وحدها، بل تحتاج إلى تحويل تجاربها الصعبة إلى مؤسسات أكثر كفاءة وسياسات أكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

 

والاستقرار المستدام لا يتحقق بمجرد تجنب الاضطرابات، وإنما بتوفير أسباب اجتماعية واقتصادية تجعل المواطن مطمئنًا إلى مستقبله. فعندما يتراجع الدخل الحقيقي أمام تكاليف المعيشة، وتتقلص قدرة الأسر على توفير احتياجاتها الأساسية، وتتعثر تطلعات الشباب إلى العمل والاستقلال، يصبح السؤال عن كفاءة الأداء الحكومي ضرورة مشروعة.

 

الدولة القوية ليست التي تطلب من مواطنيها الصبر بلا حدود، بل التي تشرح لهم أسباب الصعوبات، وتقدم حلولًا قابلة للقياس، وتثبت أن التضحيات تقود إلى نتائج ملموسة. فالصبر يحتاج إلى أفق واضح، والثقة تحتاج إلى أدلة، والوعود تحتاج إلى مؤشرات يمكن للمواطن أن يلمس أثرها.

 

_الإنجازات تُقاس بأثرها في حياة المواطنين_

 

شهدت مصر خلال السنوات الماضية تنفيذ مشروعات في البنية التحتية والطرق والطاقة والإسكان وغيرها من المجالات، وهي مشروعات قد تحمل أهمية تنموية واستراتيجية. لكن تقييم التجربة الاقتصادية لا ينبغي أن يتوقف عند حجم الإنفاق أو عدد المشروعات، بل يجب أن يمتد إلى انعكاساتها على مستوى المعيشة، وقدرتها على خلق فرص العمل، وزيادة الإنتاجية، وتحسين الخدمات.

 

فالمشروع لا يكتسب قيمته الكاملة بمجرد اكتماله، وإنما بما يحققه من منفعة عامة وعائد اقتصادي واجتماعي. وإذا كانت الأولويات الاستثمارية لا تتناسب مع الاحتياجات الملحة للمجتمع، فمن حق الرأي العام أن يسأل عن أسباب ترتيبها، وعن البدائل التي جرى تقييمها قبل اتخاذ القرار.

 

ولا يعني ذلك إنكار الإنجازات أو التقليل من قيمة ما تحقق، بل وضعها في سياقها الصحيح. فقد تنجح الدولة في تنفيذ مشروعات كبرى، بينما تواجه في الوقت نفسه تحديات في ضبط الأسعار وتحسين الخدمات وتوفير فرص العمل. والاعتراف بأحد الأمرين لا يستلزم إنكار الآخر.

 

المشكلة تبدأ عندما يتحول الحديث عن الإنجازات إلى إجابة جاهزة عن كل سؤال، أو عندما يُطلب من المواطن قبول نتائج السياسات لمجرد أن الحكومة بذلت جهودًا كبيرة. فالجهد يستحق التقدير، لكنه لا يعفي من التقييم والمساءلة. والمعيار الحقيقي هو مدى تحسن حياة المواطنين، وقدرة الاقتصاد على الإنتاج، وجودة التعليم والصحة، واتساع فرص العمل، وتراجع الأعباء عن الأسر.

 

_المواطن بين خطاب التحديات وواقع المعيشة_

 

يقيس المواطن الأوضاع الاقتصادية بما يستطيع شراءه بدخله، وبما يتحمله من نفقات الغذاء والسكن والعلاج والتعليم والمواصلات، وليس بالمؤشرات المجردة وحدها. وقد تتحسن بعض المؤشرات الاقتصادية دون أن يشعر المواطن بتحسن مماثل في قدرته الشرائية، خصوصًا عندما تكون الأسعار قد ارتفعت إلى مستويات مرتفعة خلال فترات سابقة.

 

لذلك، فإن الإصلاح الاقتصادي لا ينبغي أن يقتصر على تحقيق التوازنات المالية، بل يجب أن يراعي قدرة المواطنين على تحمل تكلفته، وأن يصاحبه دعم فعال للفئات الأكثر تضررًا، وتوسيع فرص العمل والإنتاج، ومكافحة الاحتكار، وتحسين كفاءة الإنفاق العام.

 

والمطلوب ليس تجاهل القيود المالية أو التخلي عن الإصلاح، وإنما مراجعة الأولويات وضمان عدالة توزيع الأعباء، وتقديم معلومات واضحة عن تكاليف السياسات ونتائجها. فالمواطن يحتاج إلى أن يفهم أسباب القرارات، وأن يعرف ما الذي ستفعله الحكومة لتخفيف آثارها، ومتى يمكن أن تظهر نتائجها.

 

_هل أصبحت مراجعة الحكومة ضرورة سياسية؟_

 

إن المطالبة بمراجعة السياسات الحكومية لا تعني رفض الدولة أو التشكيك في مؤسساتها، كما أن الدعوة إلى تغيير الحكومة أو رحيلها تمثل موقفًا سياسيًا يمكن مناقشته في إطار دستوري وسلمي. فالحكومات ليست كيانات فوق النقد، بل جهات تنفيذية تتولى إدارة الشؤون العامة، وتظل مطالبة بإثبات قدرتها على تحقيق الأهداف المعلنة.

 

ومن حق المواطنين أن يتساءلوا: إذا لم تحقق السياسات النتائج المطلوبة، فهل تكفي التعديلات الجزئية داخل الحكومة، أم أن المرحلة تتطلب تغييرًا في الأولويات وأسلوب الإدارة، أو مراجعة أوسع للفريق التنفيذي؟

 

لا ينبغي أن تكون الإجابة محكومة بالانفعال وحده، وإنما بتقييم موضوعي للأداء والنتائج. فالتمسك ببقاء الحكومة لمجرد الخوف من التغيير ليس بديلًا عن الكفاءة، كما أن تغيير الأشخاص وحده لا يضمن حل الأزمات ما لم يصاحبه تغيير حقيقي في السياسات وآليات صنع القرار.

 

إن جوهر القضية ليس بقاء مسؤول أو رحيله في حد ذاته، وإنما قدرة الدولة على تطوير أدائها والاستجابة لمطالب المجتمع. ومع ذلك، فإن المسؤولية السياسية تقتضي ألا يتحول الحديث عن تصحيح المسار إلى شعار بلا أدوات تنفيذية، وألا تصبح صعوبة المرحلة مبررًا لتأجيل المحاسبة إلى أجل غير محدد.

 

_الحفاظ على الوطن لا يعني مصادرة حق المواطن في الاعتراض_

 

الوطن أكبر من أي حكومة، والدولة المصرية لا تختزل في فريق تنفيذي أو مرحلة سياسية بعينها. ومن ثم، فإن الاعتراض على السياسات الحكومية لا ينبغي أن يُفسر تلقائيًا باعتباره اعتراضًا على الوطن، كما لا ينبغي استخدام الدعوة إلى الاستقرار لتقييد حق المواطنين في التعبير عن آرائهم والمطالبة بتحسين أوضاعهم.

 

فالمجتمعات المستقرة ليست تلك التي تختفي فيها الاختلافات، بل تلك التي تمتلك مؤسسات قادرة على إدارتها بصورة سلمية وقانونية. والخلط بين الدولة والحكومة يضر بالاثنين؛ لأنه يجعل النقد المشروع للأداء التنفيذي يبدو وكأنه تهديد للكيان الوطني، بينما يمكن أن يكون تصحيح الأخطاء وسيلة لتعزيز الدولة وتقوية مؤسساتها.

 

وفي المقابل، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي أن يستند النقد إلى المعلومات، وأن تظل المطالب السياسية بعيدة عن العنف والإضرار بالممتلكات. المطلوب هو توسيع مساحة الحوار والمساءلة، وإيجاد مسارات مؤسسية للتغيير، لا فتح الباب أمام الفوضى أو الصدام.

 

_الشفافية والمحاسبة طريق استعادة الثقة_

 

تحتاج المرحلة الراهنة إلى الانتقال من الخطاب العام إلى آليات عملية للمراجعة والمحاسبة، من خلال نشر بيانات واضحة عن أداء القطاعات الأساسية، وربط الإنفاق العام بنتائج قابلة للقياس، وتقديم تقارير دورية تشرح ما تحقق وما تعثر وأسباب التعثر.

 

كما يتطلب الأمر تعزيز دور المؤسسات الرقابية والبرلمانية، وتطوير آليات تلقي شكاوى المواطنين، وتقييم المسؤولين على أساس النتائج لا التصريحات. فالمؤسسات التي تستمع إلى المواطنين وتستجيب لمشكلاتهم تستطيع اكتشاف مواطن الخلل مبكرًا، قبل أن تتحول المشكلات إلى أزمات ممتدة.

 

إن المواطن لا يطلب بالضرورة اختفاء جميع المشكلات فورًا، لكنه يحتاج إلى إدارة جادة لها، وأولويات معلنة، ومواعيد واقعية، ومحاسبة عند الإخفاق. وبهذا تتحول المسؤولية المشتركة من شعار عام إلى ممارسة مؤسسية يشعر الناس بأثرها في حياتهم.

 

_الخلاصة: الحفاظ على مصر يبدأ بتحمل المسؤولية_

 

إن أخطر ما يمكن أن يصل إليه النقاش العام هو تصوير العلاقة وكأنها مفاضلة بين الحفاظ على الدولة والاستجابة لمطالب المواطنين، وكأن تحسين حياة الناس قد يهدد الاستقرار، أو أن المطالبة بتغيير السياسات تعني تجاهل التحديات التي تواجه البلاد.

 

والحقيقة أن الدولة القوية تحتاج إلى مجتمع متماسك، والمجتمع المتماسك يحتاج إلى مؤسسات فعالة وعادلة. والاستقرار لا ينفصل عن شعور المواطنين بأنهم شركاء في المستقبل، وأن تضحياتهم لا تُهدر، وأن أصواتهم مسموعة، وأن المسؤولين لا يطلبون منهم تحمل الأعباء وحدهم.

 

فإذا كان الحفاظ على مصر مسؤولية مشتركة، فإن تحمل المسؤولية السياسية واجب مباشر على من يتخذون القرار ويديرون شؤون الدولة. ومن حق المواطن أن يسأل عن نتائج السياسات، وأن يطالب بمراجعتها، وأن يطرح عبر الوسائل الدستورية والسلمية مسألة استمرار الحكومة أو تغييرها إذا رأى أن أداءها لا يحقق المصلحة العامة.

 

مصر لا تحتاج إلى خطاب يضع المواطن أمام خيارين: قبول السياسات القائمة أو المخاطرة باستقرار البلاد؛ بل تحتاج إلى معادلة أكثر نضجًا تقوم على أن قوة الدولة من قوة مجتمعها، وأن الثقة تُبنى بالشفافية والإنصاف والقدرة على تصحيح الأخطاء.

 

وفي النهاية، فإن السؤال ليس فقط: كيف نحافظ على الوطن؟ بل أيضًا: كيف نجعل الوطن أكثر قدرة على حماية أبنائه، وتلبية احتياجاتهم، وصون كرامتهم، ومنحهم الأمل في مستقبل أفضل؟

زر الذهاب إلى الأعلى