
لم أكن يوما أكتب عن الأبراج لكن رموزها استوقفتني
من الكبش والأسد إلى الميزان وحامل الماء حكاية رموز قديمة تحولت إلى صور نرى فيها أنفسنا وتؤثر أحيانا في نظرتنا إلى الآخرين
فالحمل يظهر في صورة الكبش وهو رمز ارتبط بالقوة والجرأة والاندفاع والمبادرة والثور يحمل معنى القوة والثبات والصبر وربما العناد أيضا أما السرطان فيظهر في صورة السلطعون ذلك الكائن الذي يحمل درعه معه أينما ذهب ولذلك ارتبط بالحماية والدفاع عن النفس والتمسك بالبيت والأسرة
وفي الأسد نجد رمزا ارتبط منذ القدم بالقوة والهيبة والشجاعة والقيادة والثقة بالنفس بينما يحمل العقرب معنى الحذر والقوة الداخلية والسرية والقدرة على الدفاع عن النفس ويأتي الحوت بسمكتين تتحركان في اتجاهين متعاكسين ليحمل رمزية ترتبط بالخيال والحساسية والتعاطف وربما التناقض الداخلي
وهكذا نجد ستة أبراج ترتبط بحيوانات واضحة وهي الحمل والثور والسرطان والأسد والعقرب والحوت
أما الأبراج الأخرى فتحمل رموزا مختلفة فالجوزاء يظهر في صورة التوأم بما يحمله ذلك من معنى التعدد وتنوع الاهتمامات والتواصل والتكيف والعذراء تظهر في صورة امرأة ارتبطت رمزيا بالنقاء والنظام والاهتمام بالتفاصيل
ويأتي الميزان بوصفه رمزا للتوازن والعدل والبحث عن الانسجام بينما يظهر القوس في صورة رامي السهام الذي يوجه سهمه نحو هدف فيرتبط بالسعي والمغامرة والحرية وفي التقاليد القديمة ارتبط القوس بالقنطور وهو كائن يجمع بين الإنسان والحصان
أما الجدي فيظهر في صورة الماعز البحري وهو كائن أسطوري يجمع بين الماعز والذيل البحري بينما يظهر الدلو في صورة حامل الماء ويرتبط رمزيا بالعطاء والمعرفة والأفكار والجانب الإنساني
وبذلك تنقسم رموز الأبراج بين حيوانات واضحة ورموز بشرية وأدوات وكائنات أسطورية لكن ما يجمع بينها جميعا هو محاولة تحويل صفات ومعان مجردة إلى صور يمكن للإنسان أن يراها ويتذكرها
فالإنسان منذ القدم كان يبحث عن طريقة يفهم بها نفسه والعالم من حوله فالقوة يمكن أن تتحول إلى صورة أسد والثبات إلى ثور والتوازن إلى ميزان والحماية إلى سلطعون والسعي نحو الهدف إلى سهم
لكن هل تؤثر هذه الرموز بالفعل في الإنسان
من الناحية العلمية لا توجد أدلة تثبت أن البرج الذي يولد تحته الإنسان يحدد شخصيته أو يرسم مستقبله لكن الرمز نفسه قد يحمل تأثيرا نفسيا وثقافيا فالإنسان بطبيعته يبحث عن صورة يرى فيها شيئا من نفسه وعندما يقرأ أن الأسد رمز للقوة والقيادة قد يجد نفسه متعلقا بهذه الصفات وعندما يرى الحوت مرتبطا بالحساسية والخيال قد يشعر أن الرمز يعبر عنه
وقد لا يأتي التأثير من البرج نفسه بقدر ما يأتي من الفكرة التي يكونها الإنسان عن ذاته فالإنسان عندما يكرر أمام نفسه وصفا معينا قد يبدأ في ملاحظة الصفات التي تتفق معه أكثر من غيرها
والأمر لا يتوقف عند نظرتنا إلى أنفسنا بل يمتد أحيانا إلى نظرتنا إلى الآخرين فعندما نعرف أن شخصا ما من برج معين قد نضعه دون قصد داخل صورة مسبقة فنراه عنيدا لأنه من برج الثور أو قياديا لأنه من برج الأسد أو حساسا لأنه من برج الحوت وهنا يتحول الرمز من مجرد علامة إلى قالب ذهني قد يؤثر في أحكامنا رغم عدم وجود أساس علمي يثبت أن البرج هو الذي صنع هذه الصفات
وربما لهذا السبب بقيت رموز الأبراج حاضرة حتى اليوم فهي تمنح الإنسان لغة بسيطة للتعبير عن صفات معقدة وتجعل مفاهيم مثل القوة والحرية والحماية والتوازن والطموح صورا يسهل فهمها وتداولها
فالرمز لا يصنع الإنسان ولا يمكن أن يختزل شخصية كاملة في حيوان أو أداة أو مخلوق أسطوري لكنه قد يمنح الإنسان مرآة يرى فيها جانبا من ذاته أو فكرة عن الشخصية التي يتمنى أن يكون عليها
وهنا يصبح من المهم التمييز بين الإيمان بأن الأبراج تحدد مصير الإنسان وبين النظر إلى رموزها باعتبارها جزءا من التراث والثقافة الإنسانية فالأول لا تدعمه الأدلة العلمية أما الثاني فيكشف جانبا مثيرا من تاريخ الإنسان وطريقته في التعبير عن أفكاره ومخاوفه وطموحاته
وربما لهذا لم يعد السؤال بالنسبة لي ماذا يقول برجك عن مستقبلك وإنما ماذا يقول الرمز عن الطريقة التي ترى بها نفسك
فالكبش والثور والسلطعون والأسد والعقرب والسمكتان والتوأم والعذراء والميزان ورامي السهام والماعز البحري وحامل الماء ليست مجرد رموز قديمة بل صور اختارها الإنسان ليمنح المعاني شكلا وليجد في العالم من حوله ما يشبهه
وفي النهاية قد لا تخبرنا الأبراج بما سيحدث لنا غدا لكنها تكشف شيئا عن الإنسان نفسه فهو بطبيعته يبحث عن معنى ويمنح الأشياء أسماء وصورا ثم يعود ليرى نفسه فيها وربما لهذا السبب استوقفتني رموز الأبراج أكثر من توقعاتها لأنها في النهاية لا تحكي فقط قصة النجوم بل تحكي قصة الإنسان ومحاولته المستمرة لفهم نفسه








