تعليم

أسماء فتحي: إصلاح التعليم المصري يجب أن ينتقل من تطوير المنظومة إلى بناء الإنسان وصناعة المستقبل

حجم الخط:

أكدت الخبيرة التربوية أسماء فتحي، أن ملف التعليم يمثل أحد أهم محاور بناء الدولة المصرية الحديثة، باعتباره لا يقتصر على تقديم المعرفة للأجيال الجديدة، وإنما يمثل استثمارًا استراتيجيًا في الإنسان، وأحد المحددات الرئيسية لقدرة مصر على المنافسة اقتصاديًا وعلميًا وتكنولوجيًا خلال العقود المقبلة.

وقالت: إن الدول لا تبني مستقبلها من خلال البنية الأساسية والمشروعات الكبرى فقط، وإنما تحتاج قبل ذلك إلى بناء الإنسان القادر على إدارة هذه المشروعات، وإنتاج المعرفة والتكنولوجيا، والتعامل مع التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، موضحة أن قيمة التعليم في العصر الحديث لم تعد تقاس فقط بكمية المعلومات التي يحصل عليها الطالب، وإنما بقدرته على التفكير النقدي والإبداع والابتكار والتعلم المستمر وحل المشكلات.

 

وأضافت أن التحولات التي يشهدها التعليم المصري خلال السنوات الأخيرة يجب النظر إليها باعتبارها جزءًا من مسار أوسع لإعادة بناء الإنسان المصري وتطوير قدراته، وليس مجرد تغييرات إدارية أو تعديلات في المناهج والامتحانات.

 

_إشادات دولية تعكس أهمية مسار الإصلاح_

 

وأشارت إلى أن الإشادات التي شهدها مؤتمر «استشراف مستقبل مصر في التعليم»، وما تضمنته من تقييمات ومناقشات مرتبطة بعدد من المؤشرات التعليمية، تمثل عنصرًا مهمًا في تقييم مسار الإصلاح، خاصة عندما تستند هذه التقييمات إلى دراسات وتحليلات ميدانية تشمل مناطق ومحافظات مختلفة.

 

وشددت على ضرورة التعامل مع أي تقييمات دولية بصورة موضوعية، بعيدًا عن المبالغة أو التقليل، باعتبار أن القيمة الحقيقية لأي إشادة تكمن في المؤشرات التي تستند إليها، ومدى انعكاسها على الواقع الفعلي داخل المدارس وعلى مستوى الطلاب.

 

وأكدت على أن نجاح أي منظومة تعليمية لا يقاس فقط بعدد المدارس التي تم إنشاؤها أو حجم الاستثمارات التي تم ضخها، وإنما بقدرتها على تحويل الموارد إلى نتائج تعليمية ملموسة، تظهر في مستوى الطالب، وانتظامه في المدرسة، وقدرته على القراءة والفهم والتحليل، وامتلاكه المهارات التي يحتاج إليها في حياته العملية والمجتمعية.

 

وقالت إن التحدي الأساسي لم يعد فقط هو ضمان حصول الطالب على مقعد دراسي، وإنما الانتقال من مفهوم إتاحة التعليم إلى ضمان جودة التعليم، بحيث تصبح المدرسة بيئة فعالة للتعلم، ويحصل المعلم على التأهيل المناسب، وتتطور المناهج وأساليب التقييم بما يتناسب مع احتياجات العصر.

 

_إصلاح المنظومة يحتاج إلى رؤية متكاملة_

 

وأكدت على أن إصلاح التعليم لا يمكن أن يتحقق من خلال قرار منفرد أو مشروع واحد، مشيرة إلى أن المنظومة التعليمية بطبيعتها مترابطة، وأن تطوير أي عنصر فيها يجب أن يسير بالتوازي مع تطوير العناصر الأخرى.

 

وأوضحت أن تطوير المناهج لا يمكن أن يحقق أهدافه من دون معلم مؤهل، وأن تأهيل المعلم يحتاج إلى بيئة مدرسية مناسبة، كما أن تطوير المدرسة يتطلب نظام تقييم يتوافق مع أهداف الإصلاح، إلى جانب الاستفادة من التكنولوجيا والتحول الرقمي.

 

وأضافت أن التعليم المصري واجه على مدار عقود تحديات متراكمة، من بينها الزيادة السكانية، وارتفاع أعداد الطلاب، وكثافات الفصول، والحاجة إلى تطوير البنية التحتية، وتحديث المناهج وأساليب التقييم، ورفع كفاءة المعلمين، وتحقيق قدر أكبر من العدالة في فرص الحصول على تعليم جيد.

 

وأكدت على أن مواجهة هذه التحديات تحتاج إلى سياسات طويلة الأجل، تقوم على المتابعة والتقييم المستمر، وليس على الحلول المؤقتة.

 

_المناهج يجب أن تركز على بناء المهارات_

 

وقالت إن أحد أهم التحولات المطلوبة في التعليم الحديث هو إعادة تعريف وظيفة المنهج الدراسي، موضحة أن الطالب لم يعد يعتمد على المدرسة وحدها في الحصول على المعلومات، في ظل الانتشار الواسع للإنترنت والمنصات التعليمية والتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي.

 

وأكدت على أن القيمة الحقيقية للتعليم أصبحت مرتبطة بقدرة الطالب على فهم المعلومات والتحقق منها وتحليلها وربطها بسياقها واستخدامها في حل المشكلات، وليس بمجرد القدرة على حفظها واسترجاعها.

 

وأشارت إلى أن تطوير المناهج يجب أن يركز بصورة أكبر على التفكير والتحليل والاستنتاج والإبداع، مع ربط المحتوى التعليمي بمهارات المستقبل واحتياجات سوق العمل، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي وظهور وظائف ومهن جديدة مرتبطة بالبيانات والبرمجيات والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي.

 

وأكدت على أن تطوير المناهج يجب أن يكون بمثابة إعداد مبكر للطالب للتعامل مع عالم سريع التغير، لا يزال كثير من ملامحه المستقبلية غير واضح.

 

_المعلم هو حجر الزاوية في الإصلاح_

 

وشددت على أن المعلم سيظل العنصر الأكثر تأثيرًا في نجاح أي إصلاح تعليمي، مهما بلغت جودة المناهج أو تطورت التكنولوجيا.

 

وأوضحت أن المعلم في المدرسة الحديثة يحتاج إلى المعرفة التخصصية، إلى جانب امتلاك مهارات تربوية ورقمية ونفسية تمكنه من التعامل مع احتياجات الطلاب والفروق الفردية بينهم.

 

وأكدت على أن التدريب المستمر للمعلمين يجب ألا يتحول إلى مجرد دورات موسمية، وإنما ينبغي أن يصبح مسارًا مهنيًا مستمرًا يواكب التطورات العلمية والتكنولوجية وأساليب التدريس الحديثة.

 

وأضافت أن الاستثمار في المعلم يمثل استثمارًا مباشرًا في جودة التعليم، لأن المعلم المؤهل يستطيع تحويل المنهج من محتوى مكتوب داخل كتاب إلى تجربة تعلم حقيقية، كما يستطيع اكتشاف مواطن الضعف لدى الطالب والتعامل معها مبكرًا قبل أن تتحول إلى فجوات تعليمية يصعب علاجها في المراحل المتقدمة.

 

_المدرسة بيئة للتعلم وليست مجرد مبنى_

 

وأكدت على أن جودة التعليم ترتبط بصورة مباشرة بالبيئة المدرسية التي تتم فيها عملية التعلم، مشيرة إلى أن المدرسة الحديثة يجب أن تكون بيئة آمنة ومحفزة وجاذبة للطالب.

 

وقالت إن تقليل كثافات الفصول، وتحسين البيئة المدرسية، وتوفير الأدوات التعليمية المناسبة، ورفع معدلات الحضور، كلها عناصر تؤثر بصورة مباشرة في جودة العملية التعليمية.

 

وشددت على ضرورة تطوير الثقافة المدرسية بحيث تشجع الطلاب على الحوار والمشاركة والعمل الجماعي والبحث والتجربة، بدلًا من الاعتماد بصورة أساسية على التلقين.

 

وأضافت أن الطالب يجب أن ينظر إلى نفسه باعتباره شريكًا في عملية التعلم، وليس مجرد متلقٍ للمعلومات.

 

_الحضور المدرسي مؤشر على جاذبية التعليم_

 

وأوضحت أن ارتفاع معدلات الحضور المدرسي لا ينبغي النظر إليه باعتباره قضية انضباط فقط، وإنما باعتباره مؤشرًا على مدى جاذبية المدرسة وقدرتها على تقديم تجربة تعليمية ذات قيمة للطالب.

 

وقالت إن الطالب الذي ينتظم في المدرسة يحصل على فرص أكبر للتفاعل مع المعلم وزملائه والمشاركة في الأنشطة والاستفادة من التجربة التعليمية بصورة متكاملة.

 

وأكدت على أن معالجة الغياب تتطلب معالجة الأسباب التي تجعل الطالب غير راغب في الحضور، والعمل على جعل المدرسة أكثر ارتباطًا باهتماماته واحتياجاته وقدرته على التعلم والمشاركة.

 

_القراءة والكتابة أساس كل تطوير_

 

وشددت على أن الحديث عن الذكاء الاصطناعي والبرمجة والتكنولوجيا لا يجب أن يؤدي إلى تجاهل المهارات الأساسية، وفي مقدمتها القراءة والكتابة والفهم والاستيعاب.

 

وقالت إن الطالب الذي لا يمتلك أساسًا قويًا في القراءة والفهم سيجد صعوبة في الاستفادة حتى من أحدث أدوات التكنولوجيا، مؤكدة أن الاستثمار في السنوات التعليمية الأولى يمثل أولوية، لأن معالجة الفجوات في القراءة والكتابة في المراحل المبكرة أكثر فاعلية من محاولة علاجها بعد تراكمها.

 

_الذكاء الاصطناعي فرصة يجب التعامل معها بوعي_

 

وأشارت إلى أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يفتحان مرحلة جديدة أمام التعليم المصري، بما يتيح الوصول إلى مصادر تعليمية متنوعة، وتقديم محتوى تفاعلي، وتحسين عمليات التقييم، وتحليل أداء الطلاب، ودعم المعلمين.

 

لكنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة الاستخدام الرشيد لهذه التكنولوجيا، مؤكدة أن الهدف ليس أن يستخدم الطالب أدوات الذكاء الاصطناعي لمجرد استخدامها، وإنما أن يتعلم كيفية التعامل معها بصورة واعية ومنتجة وأخلاقية.

 

وأضافت أن الطالب يجب أن يتعلم كيفية التحقق من المعلومات التي تقدمها الأدوات الرقمية، وفهم حدودها، واستخدامها في البحث والإبداع وحل المشكلات، مع الحفاظ على دوره الأساسي في التفكير والتحليل واتخاذ القرار.

 

_تطوير التقييم ضرورة لتحقيق أهداف الإصلاح_

 

وأكدت على أن تطوير نظام التقييم يمثل أحد أكثر الملفات تأثيرًا في الثقافة التعليمية، موضحة أن الامتحان يجب ألا يكون مجرد وسيلة لمنح الدرجات، وإنما أداة لقياس مدى تحقق أهداف التعلم.

 

وقالت إن المناهج التي تستهدف بناء مهارات التفكير والتحليل تحتاج إلى نظام تقييم يقيس هذه المهارات بالفعل، بحيث لا تظل عملية التعلم أسيرة للأسئلة التي تعتمد على الحفظ والاسترجاع.

 

وأضافت أن تطوير أساليب التقييم يمكن أن يكون من أقوى أدوات تغيير الثقافة التعليمية، لأن الطالب غالبًا ما يوجه طريقة تعلمه وفقًا لما يتوقع أن يُطلب منه في الامتحان.

 

_الاستمرارية شرط لنجاح الإصلاح_

 

وشددت على أن إصلاح التعليم مشروع طويل الأجل، وأن نتائجه الحقيقية لا يمكن قياسها خلال فترة زمنية قصيرة، لأن أثر القرارات التعليمية قد يظهر بعد سنوات، وقد يتضح بصورة أكبر عندما ينتقل الطالب إلى سوق العمل ويصبح عنصرًا فاعلًا في الاقتصاد والمجتمع.

 

وأكدت على أن استدامة الإصلاح تتطلب المتابعة والتقييم المستمرين، والاستفادة من البيانات، والقدرة على تعديل السياسات عندما تظهر الحاجة إلى ذلك.

 

وأوضحت أن النجاح الحقيقي لا يرتبط بعدد القرارات التي يتم اتخاذها، وإنما بقدرتها على تحقيق نتائج مستدامة قابلة للقياس والتحقق.

 

_التعليم جزء من الأمن القومي والتنمية_

 

وقالت إن التعليم لم يعد ملفًا خدميًا بالمعنى التقليدي، وإنما أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة بالأمن القومي والتنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي.

 

وأوضحت أن الدولة التي تمتلك نظامًا تعليميًا قادرًا على إنتاج المعرفة والمهارات تكون أكثر قدرة على حماية استقلالها الاقتصادي والتكنولوجي، خاصة في عالم أصبحت فيه البيانات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي مكونات أساسية من عناصر القوة الوطنية.

 

وأكدت على أن الاستثمار في التعليم يجب أن يُنظر إليه باعتباره استثمارًا طويل الأجل في رأس المال البشري والقدرة الإنتاجية للدولة، وليس مجرد إنفاق على قطاع خدمي.

 

_التحدي المقبل هو تحويل التحسن إلى نتائج مستدامة_

 

وأكدت على أن المرحلة المقبلة يجب أن تركز على تحويل أي تحسن في المؤشرات التعليمية إلى نتائج مستدامة تصل إلى جميع المحافظات والمناطق والفئات الاجتماعية.

 

وقالت إن نجاح الإصلاح لا يكتمل بمجرد تحسن المؤشرات العامة، وإنما يتحقق عندما يحصل الطالب في كل مدرسة على فرصة حقيقية للحصول على تعليم جيد.

 

وشددت على أهمية استمرار المتابعة الميدانية، وتحليل البيانات، ورصد الفجوات بين المدارس والمناطق المختلفة، وتوجيه الموارد إلى الأماكن الأكثر احتياجًا.

 

كما أكدت على ضرورة أن تكون عملية الإصلاح نفسها خاضعة للتقييم المستمر، وأن يتم التعامل مع نقاط الضعف بموضوعية وشفافية، مع تطوير السياسات بناءً على الأدلة والنتائج.

 

_بناء الإنسان هو الهدف النهائي_

 

وأختتمت الخبيرة التربوية، تصريحاتها بالتأكيد على أن الهدف النهائي من إصلاح التعليم ليس تطوير المدرسة أو الكتاب المدرسي أو الامتحان أو التكنولوجيا كل على حدة، وإنما بناء الإنسان المصري.

 

وقالت إن التعليم الناجح هو الذي يمنح المواطن المعرفة والمهارة والقدرة على التفكير والإبداع والتعلم المستمر، ويؤهله للتعامل مع عالم سريع التغير، والمشاركة بصورة فاعلة في الاقتصاد والمجتمع.

 

وأكدت على أن الإشادات الدولية بأي مسار إصلاحي تمثل مؤشرًا مهمًا يستحق الدراسة، لكنها في الوقت نفسه ليست نهاية الطريق، موضحة أن الاختبار الحقيقي يتمثل في قدرة الإصلاح على الاستمرار وتحسين حياة الطالب، ورفع كفاءة المعلم، وتطوير المدرسة، وإعداد أجيال أكثر قدرة على المنافسة والإبداع.

 

وختمت أسماء فتحي، بالتأكيد على أن بناء الإنسان يحتاج إلى رؤية تمتد لعقود، وأن الاستثمار في التعليم هو في جوهره استثمار في مستقبل الدولة المصرية وقدرتها على صناعة المعرفة والتكنولوجيا والقوة البشرية التي تحتاج إليها.

زر الذهاب إلى الأعلى