خريطة إصلاح مصر تبدأ من بناء سيستم قوى لا يتوقف على الأشخاص

لو أردنا أن تتغير مصر بالفعل فإن القضية لم تعد فى معرفة أماكن الخلل فنحن نعرف الكثير من مشكلاتنا ونعرف أين تتعطل الخدمات وأين يظهر الإهمال وأين يمكن أن يتسلل الفساد وأين يحتاج المواطن إلى تدخل أسرع
لكن التحدي الحقيقي أصبح في كيفية تحويل الإصلاح من مجرد توجيهات تصدر من أعلى إلى منظومة متكاملة تعمل بكفاءة في كل شارع وكل مصلحة وكل وزارة وكل محافظة
لقد تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي عن جهود الدولة في إصلاح الملفات المختلفة وعن مواجهة الفساد وتحسين الخدمات وضرورة متابعة المسؤولين لما يحدث على أرض الواقع ومحاسبة المقصرين
وهنا يبرز السؤال الأهم
كيف نبني خريطة تنفيذ حقيقية لإصلاح مصر
مصر خلال السنوات الماضية قطعت شوطا كبيرا في بناء البنية الأساسية وشهدت مشروعات ضخمة في الطرق والكباري والمدن والموانئ والكهرباء والنقل وغيرها من المشروعات التي غيرت شكل الدولة في العديد من المناطق
لكن المرحلة القادمة تحتاج إلى معركة من نوع مختلف
فبعد أن عملنا على بناء الدولة من الخارج حان الوقت لبناء النظام الذي يدير الدولة من الداخل
الإصلاح الحقيقي يبدأ من مواجهة الفساد بصورة مؤسسية
مواجهة الفساد لا تعني فقط اكتشاف الفاسد بعد وقوع الجريمة وإنما تعني بناء منظومة تجعل الفساد أكثر صعوبة وتكشف أي محاولة للانحراف قبل أن تتحول إلى خسائر
وهنا تأتي أهمية التحول الرقمي وربط قواعد البيانات وتقليل التعاملات النقدية وتوثيق القرارات الإدارية وإتاحة المعلومات وتعزيز الرقابة على المناقصات والعقود
فالفساد يحتاج إلى مساحات مظلمة وكلما اتسعت دائرة الشفافية تقلصت المساحة التي يستطيع أن يتحرك فيها
المعركة الثانية هي مواجهة الإهمال
فالإهمال قد يكلف الدولة والمواطن خسائر ضخمة حتى من دون وجود فساد مباشر
طريق يحتاج إلى صيانة ولا تتم صيانته
مشروع يتم إنفاق الملايين عليه ثم يتراجع مستواه
موظف يعطل مصالح المواطنين
مسؤول لا يتابع
مؤسسة لا تعرف حجم مسؤوليتها
ولهذا يجب أن يتغير السؤال من البحث فقط عن الشخص المسؤول إلى البحث أيضا عن النظام الذي سمح بحدوث المشكلة
كل مسؤول يجب أن تكون أمامه أهداف واضحة وقابلة للقياس
ماذا استلم
ماذا أنجز
كم أنفق
وما النتيجة التي تحققت على أرض الواقع
المعركة الثالثة هي أن المواطن لا يجب أن يحتاج إلى رئيس الجمهورية لكي يحصل على حقه
وهذه من أهم علامات قوة الدولة
فإذا وصلت مشكلة المواطن في الكهرباء أو المياه أو العقارات أو الطرق أو الخدمات إلى أعلى مستوى في الدولة حتى تتحرك الأجهزة فإن هذا يعني أن هناك خللا في إحدى الحلقات الإدارية التي تسبق القيادة السياسية
قوة الدولة ليست في أن يتدخل الرئيس في كل مشكلة
قوة الدولة الحقيقية أن تعمل مؤسسات الدولة بكفاءة حتى عندما لا يتدخل الرئيس بنفسه
المحافظ يتابع رؤساء المدن والأحياء
والوزير يحاسب قيادات وزارته
والمسؤول يعرف أن أداءه يخضع للتقييم
والمواطن يستطيع تقديم شكواه ومتابعتها ومعرفة أين وصلت ومن المسؤول عن حلها
المعركة الرابعة هي تغيير مفهوم الوظيفة الحكومية
المواطن ليس شخصا جاء إلى الموظف لكي يطلب منه معروفا
المواطن صاحب حق والموظف موجود لخدمة المواطن وفقا للقانون
وهنا نحتاج إلى تغيير حقيقي في ثقافة الخدمة العامة
مواعيد واضحة
إجراءات محددة
خدمات إلكترونية
سرعة في إنجاز المعاملات
تقييم مستمر للأداء
ومحاسبة حقيقية لكل من يتعمد تعطيل مصالح الناس
وفي الوقت نفسه يجب ألا يكون الإصلاح قائما على العقاب فقط
الموظف المجتهد يجب أن يجد التقدير
والعامل المتميز يجب أن يجد فرصة للترقي
وبيئة العمل يجب أن تساعد الموظف على تقديم أفضل ما لديه
أما المعركة الخامسة فهي الاقتصاد والإنتاج
فلا يمكن بناء إصلاح دائم من دون اقتصاد قوي
مصر تحتاج إلى مرحلة جديدة يكون فيها الإنتاج هو الأساس
المصنع أهم من المضاربة
والتصدير أهم من زيادة الاعتماد على الاستيراد
والعمل والإنتاج أهم من الاستهلاك
وكل محافظة يجب أن يكون لديها تصور واضح لما تستطيع إنتاجه وما يمكن أن تصدره وما يمكن أن توفره من فرص عمل
كما يجب أن يكون لكل وزارة دور واضح في زيادة الإنتاج وتحسين بيئة الاستثمار وخلق فرص العمل
والقطاع الخاص المنتج يجب أن يجد مساحة أكبر للعمل والاستثمار والمنافسة العادلة
الدولة تضع القواعد وتحمي المنافسة وتوفر البنية الأساسية
والمستثمر ينتج ويوظف ويصدر
هذه هي المعادلة التي يمكن أن تصنع اقتصادا أكثر قوة واستدامة
ومن أهم الخطوات التي يمكن أن تؤسس لمرحلة جديدة هي ثقافة كشف الحساب
أن يعرف المواطن ماذا وعد المسؤول وماذا نفذ وكم أنفق وما الذي تغير بالفعل في حياة الناس
وهذا الكشف يجب ألا يكون مرتبطا بشخص واحد
بل يجب أن يصبح ثقافة دائمة لكل وزير ومحافظ ورئيس هيئة وكل مسؤول يتولى موقعا عاما
المواطن من حقه أن يعرف
ماذا وعدت
ماذا نفذت
كم أنفقت
وما النتيجة
هذه ليست رفاهية
هذه هي الشفافية التي تبني الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة
مصر قادرة على أن تتغير بصورة كبيرة خلال سنوات قليلة إذا تحولت فكرة الإصلاح من قرارات متفرقة إلى نظام متكامل يعمل بصورة مستمرة
المطلوب ليس فقط مشروع جديد
المطلوب سيستم جديد لإدارة الدولة
سيستم يجعل المسؤول يعمل قبل أن تحدث المشكلة
ويجعل الموظف يعرف أن أداءه يقاس
ويجعل المواطن يعرف حقوقه
ويجعل الشكوى طريقا للحل وليس مجرد ورقة
ويجعل المال العام تحت رقابة مستمرة
ويجعل الإنتاج والعمل والانضباط أساسا للتقدم
لقد قطعت مصر شوطا كبيرا في بناء البنية الأساسية للدولة
والمرحلة الأصعب الآن هي بناء الإنسان والمؤسسة والمنظومة التي تحافظ على ما تم إنجازه وتواصل البناء عليه
الأشخاص مهما كانت قوتهم يرحلون
لكن المؤسسات القوية تبقى
والدولة التي تعتمد على النظام لا على الأشخاص تكون أكثر قدرة على الاستمرار ومواجهة الأزمات وتحقيق التنمية
هذه هي المعركة الحقيقية
أن ننتقل من إدارة المشكلات إلى منع المشكلات
ومن انتظار الشكوى إلى اكتشاف الخلل مبكرا
ومن محاسبة المقصر بعد وقوع الضرر إلى بناء منظومة تمنع التقصير
ومن الاعتماد على تدخل المسؤول الأعلى إلى صناعة جهاز إداري قوي يعمل بكفاءة من القاعدة إلى القمة
إصلاح مصر ليس مهمة وزارة واحدة ولا مسؤول واحد
إنه مشروع دولة
ومشروع وعي
ومشروع عمل
ومشروع نظام جديد يجعل كل مسؤول يعرف واجبه وكل موظف يعرف مسؤوليته وكل مواطن يعرف حقه
وعندما يصبح هذا النظام هو القاعدة فإن مصر لن تحتاج إلى انتظار المعجزة
لأن الدولة التي تعمل بكفاءة تستطيع أن تصنع مستقبلها بنفسها








