فن وثقافة
سحر الكراسي الطائرة.. تامر فؤاد وهندسة الأمل على خشبة المسرح

حجم الخط:
حين يمتزج نبض الإبداع بصلابة الهندسة، تتشكل تلك الحكايات النادرة التي يسطرها المبدعون الحقيقيون بمداد الشغف والإرادة؛ وهناك في قلب هذا التقاطع الفريد يبرز اسم الفنان والكاتب تامر فؤاد عدلي، المولود في الخامس من أغسطس عام 1981، والذي يوازن بحرارة وتأمل بين دقّة عمله مهندساً بوزارة البترول ورحابة روحه طالباً في كلية الآداب قسم المسرح والدراما. لم يكن دخوله إلى عالم الخشبة عبوراً عابراً، بل جاء مؤسساً على صخرة متينة من التكوين الأكاديمي والتدريبي العريق، فقد صقل موهبته الفذة عبر رحلة طويلة من الورش التخصصية؛ حيث تلقى ورشة الدراما الحركية في مسرح الهناجر على يد المخرج العراقي القدير محمد أبو القاسم، وورشة الرقص الحديث في مسرح الهناجر مع الفنان وليد عوني، وورشة القومي للسينوغرافيا مع الدكتور عمرو الأشرفي، ونهل من علوم هندسة الإضاءة المسرحية بقسم الدراسات الحرة بالجامعة الأمريكية على يد الخبير السويدي مستر شارلي، كما تتلمذ في فنون التمثيل والإخراج بورشة مسرح فيصل ندا مع الفنان الكبير نور الشريف، وتعمق في أسرار النص عبر ورشة القراءة المسرحية مع الدكتور أيمن عبد الرحمن، وورشة التأليف المسرحي تحت إشراف أستاذ الجيل الكاتب الكبير لينين الرملي.
ومن هذه الحاضنة الثقافية والتربوية الغنية، انطلق ليؤسس فرقة “كالوس المسرحجية” وراديو “حكاواتي”، عاقداً العزم على أن يجعل من فنه قضية نبيلة، متفرداً بتخصص دقيق وإنساني فريد في مسرح ذوي الهمم ومسرح الطفل. ولم تقتصر مسيرته على التنظير، بل امتدت ليقوم بتأليف وإخراج وتمثيل مسرحيات راسخة في وجدان المتابعين، فضلاً عن إبداعه للمسلسلات والسهرات والمسرحيات الإذاعية التي لامست قلوب المستمعين. وقد توجت هذه الجهود بحصده للعديد من الجوائز المرموقة في مهرجانات دولية ومحلية عديدة، فيما وجدت عروضه المسرحية بيتها الدافئ على أهم المنابر المصرية، كمسرح العاصمة، ومسرح السامر، ومسرح أكاديمية الفنون، ودار الأوبرا المصرية، ومسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية. وشهدت كبريات المحافل الفنية على تألقه، ومن أهمها مهرجان الطفل العربي لذوي الهمم، والمهرجان القومي للمسرح المصري، ومهرجان آفاق مسرحية الدولي، والمهرجان العربي الدولي للإعاقة في عيون الإنسانية، ومهرجان طوخ المسرحي.
وتتجلى الروح الإنسانية العميقة لتامر فؤاد في أبهى صورها من خلال نصه المسرحي المبدع “كرسي بأجنحات”.. حين يصبح المسرح جناحين للحلم؛ ففي زمن تتشابه فيه الحكايات المسرحية وتبهت ملامحها، تأتي هذه المسرحية لتقدم تجربة إنسانية مختلفة تماماً، لا تتعامل مع ذوي الهمم باعتبارهم مادة للشفقة أو الاستعطاف، وإنما باعتبارهم أبطالاً حقيقيين يمتلكون الإرادة والموهبة والقدرة الحقيقية على صناعة الأمل. إن النص لا يتطرق إلى الإعاقة بوصفها عائقاً عضوياً، بل يوجه عدسته النقدية نحو المجتمع الذي يبتكر العوائق، وعن الأحلام التي تستطيع أن تتجاوز كل الأبواب المغلقة حين تجد من يؤمن بها بصدق. ومنذ اللحظة الأولى لعرضه، يختار النص أن يبدأ بابتسامة دافئة؛ حيث يضعنا مونولوج “أنا الابتسامة” أمام حقيقة بسيطة لكنها بالغة العمق، مفادها أن الحياة ليست مجموعة من الانتصارات الكبرى فقط، وإنما هي تلك التفاصيل الصغيرة التي تمنح الإنسان القدرة على الاستمرار والبقاء، ومن هنا يبدأ العرض في بناء عالمه الساحر القائم على الأمل قبل الألم.
يعتمد البناء الدرامي للنص على البطولة الجماعية التي لا تدع بطلاً واحداً يحتكر الضوء، بل يتحول كل فرد من أعضاء الفرقة إلى بطل حقيقي لحكايته الخاصة والفريدة؛ فنرى عبد الرحمن وهو يحمل وجع الرفض القاسي بسبب إعاقته، وفاطمة التي تواجه باسلساً المرض والخذلان، وعيد الكفيف الذي يرى بصدق وبصيرة أعمق بكثير من المبصرين، وضحى التي تحلم من أعماق قلبها بأن يتحول كرسيها المتحرك إلى جناحين يملأناهما بالحرية ويحملانها نحو خشبة المسرح المنشودة. وما يمنح العرض صدقه الإنساني البالغ ويبعده عن أي خطاب مباشر أو وعظ استهلاكي هو أن هذه الشخصيات لا تقدم نفسها كضحايا، وإنما كأشخاص طبيعيين تماماً يعيشون الحب والخوف والغيرة والنجاح والفشل، تاركين لقلوب المتفرجين حرية التفاعل العفوي والعميق.
ويشتغل الرمز في النص ببراعة دلالية لا تخطئها العين، إذ يتحول الكرسي المتحرك من مجرد أداة تقييد إلى رمز مطلق للحرية والانعتاق؛ فالعنوان ذاته “كرسي بأجنحات” يختصر فلسفة العرض كاملة بأن المشكلة الحقيقية ليست أبداً في الكرسي، وإنما في نظرة المجتمع القاصرة إليه، وما يبدو للآخرين قيداً ثقيلاً يصبح عند صاحبه وسيلة للتحليق متى ما امتلك ناصية الحلم. كما ينجح النص في توظيف استعارة الباب المغلق والترباس بوصفهما رمزين بليغين لكل العقبات النفسية والاجتماعية والإدارية التي يواجهها الإنسان في طريقه، فحين تُحبس ضحى داخل منزلها يوم العرض، لا يتحول الباب إلى مجرد باب عادٍ، بل يغدو حاجزاً صارخاً يعكس الموانع التي تمنع أصحاب المواهب من بلوغ أحلامهم، لكن النهاية تأتي لتؤكد بحرارة أن الحب والتكاتف البشري الصادق هما أقوى من أي قفل وأعتى من أي باب.
ومن أبرز نقاط القوة الفنية في المسرحية ذلك المزج العبقري والواعي بين الكوميديا والدراما؛ فالمشاهد الكوميدية الذكية، كمشهد النقاش والمخرج، تمنح الجمهور فرصة ثمينة لالتقاط أنفاسه واستعادة طاقته قبل العودة مجدداً إلى المشاهد الإنسانية المؤثرة والعميقة، وهذا التنوع الإيقاعي المتقن يمنع العرض نهائياً من الوقوع في براثن الرتابة أو الاستغراق المجاني في الحزن والأسى. أما شخصية المخرج، فتجسد بصدق ملامح الإنسان الذي أجهده الإحباط حتى كاد يفقد إيمانه المطلق بالحلم، بينما يمثل باقي أعضاء الفرقة صوت الأمل الحي والإصرار الذي لا ينطفئ، ومن خلال هذا الصراع الدرامي المحتدم يطرح العرض سؤاله الجوهري والمؤثر: هل يموت الحلم بسبب ظروف الحياة القاسية، أم بسبب استسلام أصحابه وضعفهم؟ وتصل المسرحية إلى ذروتها المؤثرة حين تمتلىء قاعة العرض عن أخرها بالجمهور في اللحظة التي كان يظن فيها الجميع أن كل شيء قد انتهى وضاع، هنا تتحول النهاية إلى احتفالية كبرى بانتصار الإرادة البشرية، ويصبح وصول ضحى إلى خشبة المسرح انتصاراً جماعياً نابضاً لكل أفراد الفرقة وليس مجرد نجاح فردي لشخص واحد. إن “كرسي بأجنحات” لا تكتفي بتقديم رسالة نبيلة عن دمج ذوي الهمم في نسيج المجتمع، بل تدعو الجميع إلى إعادة النظر في مفهوم البطولة ذاته، فالبطل الحقيقي ليس بالضرورة من يمشي على قدميه، وإنما هو من يواصل السير والعطاء رغم كل ما يعوقه ويثقل خطاه. وفي نهاية المطاف، تؤكد هذه المسرحية الاستثنائية أن الفن ليس مجرد وسيلة للترفيه العابر، بل هو الفسحة المقدسة لإعادة اكتشاف الإنسان، وأن خشبة المسرح قادرة حقاً على منح أصحاب الأحلام أجنحة سرمدية لا تستطيع صرخات الحياة وعواصفها أن تكسرها أبدًا








