اخبار مصر
بلا حراسة ولا بروتوكول.. مواقف تُجسد تواضع شيخ الأزهر

حجم الخط:
إن العظمة الحقيقية لا تقاس بالمنسوب والمكانة، ولا تتجلى في الألقاب والمناصب، بل تبدو في أبهى صورها عندما تتجسد في نفس تواضعت لربها فرفعها الله في قلوب العباد. وفي عصرنا الراهن، يقدم لنا فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، نموذجاً حياً وفريداً للعالم العابد الذي لم تزده رفعة المنصب إلا انكساراً وتواضعاً. إن دراسة سيرته اليومية ومواقفه الإنسانية تكشف عن شخصية صوفية زاهدة، تتنفس البساطة وتتحرك بين الناس بقلب مفعم بالمحبة والرحمة، بعيداً عن زيف بهرج السلطة أو كبرياء العلم.
يتجلى تواضع الدكتور أحمد الطيب مع نفسه في أبهى صورة من خلال أسلوب حياته ونمط عيشه؛ فالرجل الذي يجلس على رأس أكبر مؤسسة إسلامية في العالم الإسلامي، ويحظى باستقبال الرؤساء والملوك، لا يزال يحتفظ ببساطة ابن الصعيد الزاهد. يرفض مظاهر الترف والتكلف، ويعيش في بيته بقرية “القرنة” بمحافظة أقصر العريقة بين أهله وإخوته، يجلس معهم على الأرض، وياكل مما ياكلون، ويشاركهم أفرَاحهم وأحزانهم دون حراسة أو مراسيم. إن تواضعه مع نفسه يظهر في مقته للشهرة والثناء؛ إذ كثيراً ما يرفض التحديث عن معاليه أو ألقابه، ويفضل دائماً أن يُعرف بـ “الفقير إلى الله”، مؤمناً بأن العلم أمانة تستوجب الخشية لا التعالي، وأن الإمامة في الدين هي خدمة للناس وليست تسلطاً عليهم.
أما عن تواضعه مع الناس بمختلف أطيافهم وطبقاتهم، فإن مواقفه تشهد بأنه لم يضع يوماً حاجزاً بينه وبين أي إنسان. يُذكر في حوادث عدة أنه ينزل من سيارته لاستماع شكوى مظلوم، أو لقضاء حاجة مسن، برفق وإنصات تام دون إشعار الآخر بفارق السن أو المقام. وفي لقاءاته العامة والخاصة، تجد البسمة لا تفارق وجهه، والكلمة الطيبة هي أسلوبه الدائم. يوقر الكبير، ويعطف على الصغير، ويحترم أصحاب الأديان الأخرى بكل أريحية وتسامح، مجسداً القيم الأزهرية الخالدة. ومن أبرز مظاهر هذا التواضع أنه ينصت للعامة والبسطاء بنفس الاهتمام الذي ينصت به لكبار العلماء والمسؤولين، معتبراً أن كرامة الإنسان تتجاوز كل الفوارق المادية والاجتماعية.
ولعل أبهى ألوان هذا التواضع وأكثرها تأثيراً هو ما يلمسه طلاب الأزهر الشريف -سواء المصريين أو الوافدين من مختلف دول العالم- في تعامل الإمام معهم. فهو لا يكتفي بكونه قيادة إدارية ودينية، بل يتعامل كأب حنون ومعلم مربٍ. يحرص فضيلته في كثير من المناسبات على التفقد المباشر لأحوالهم في المدن الجامعية، ويشاركهم طعامهم ويفحص شكواهم بنفسه. ومن المواقف الشهيرة التي حفرت في أذهان الطلاب وأبناء الأزهر، أنه في إحدى جولاتهم التفقدية لموائد الإفطار أو مجمع كليات الأزهر، أصر على أن يجلس وسط الطلاب الوافدين على الأرض ليأكل معهم من نفس الطعام، ويستمع إلى مشاكلهم الدراسية والمعيشية، مؤكداً لهم أنهم ضيوف إمام المتقين وأن أزهر الشريف هو بيتهم الثاني.
ولم تقف مواقفه عند هذا الحد، بل يذكر المتابعون لسيرته مواقف عديدة تؤكد هذه السجية؛ منها امتناعه المكرر عن التكريم الشخصي، وحرصه على الاستغفار والإنابة عند الثناء عليه، إضافة إلى تصرفه العفوي أثناء أداء المنسك أو الصلاة، حيث يصر على الجلوس بين عامة الناس في الصفوف دون تمييز أو بروتوكول خاص. إن هذا الخُلُق الرفيع جعل منه ليس فقط رمزاً دينياً مهاباً، بل أباً روحياً محبوباً تُرفع له الأكف بالدعاء في مشارق الأرض ومغاربها.
إن تواضع الدكتور أحمد الطيب ليس سلوكاً متكلفاً أو خطة إعلامية، بل هو ثمرة حب صادق لله ورسوله، ونتاج تربية أزهرية صوفية أصيلة تصقل الروح وتطهر القلب من أدران الكبر. إن مواقفه مع نفسه ومع الناس ومع طلابه ستبقى دروساً حية تُستلهم، وتؤكد أن العالم الحقيقي هو من يزداد تواضعاً كلما زاد علماً، وأن القلوب لا تُفتح بالقوة أو الألقاب، بل بالتواضع والرحمة وحسن الخلق.








