عقيدة الساموراي الجديدة وصراع السيادة في المحيط الهادئ

تتجه بوصلة التحليل الاستراتيجي بنحو متسارع نحو حوض المحيط الهادئ، مفسرةً صراعاً صامتاً يعيد رسم موازين القوى الدولية، وهو ما يتضح بجلاء في القراءة التحليلية المعمقة للمقال الأخير لمعالي اللواء أركان حرب سمير فرج، والذي يفكك فيه أبعاد هذا التحول التاريخي بعيداً عن بؤر النزاع التقليدية المشحونة في الشرق الأوسط. فبينما يظل العالم مستغرقاً في تتبع أزمات مضيق هرمز ومآلات الصدام بين الولايات المتحدة وإيران، يكشف الخبير الاستراتيجي في مقاله عن نمو ملامح تحول دراماتيكي في جنوب شرق آسيا تقوده اليابان، التي بدأت تتخلى تدريجياً عن قيود صياغة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لتتحول من الانكفاء السلمي إلى الردع الهجومي النشط في مواجهة الصعود الصيني المتنامي.
إن العودة اليابانية المتسارعة إلى الساحة العسكرية لا تنفصل عن قراءة واعية لدروس التاريخ؛ فمنذ توقيع وثيقة استسلامها في سبتمبر 1945 وتبني الدستور السلمي وحل الجيش، اعتمدت طوكيو في أمنها على المظلة الأمريكية وقاعدة أوكيناوا. غير أن محطة جزر الكوريل، والاستيلاء الروسي عليها دون مواجهة أمريكية مباشرة لحماية الحليف الياباني، رسخا قناعة استراتيجية في الوجدان السياسي لطوكيو مفادها أن أمن البلاد القومي لا يمكن تفويضه بالكامل للآخرين. ومن هنا ولد تيار واقعي حازم تقوده رئيسة الوزراء سَناي تاكاييتشي، يطالب بزيادة الإنفاق الدفاعي وتحويل البلاد إلى قوة ردع حقيقية تتناسب مع ثقلها التكنولوجي الفائق وقدراتها الحديثة.
يتجلى هذا التحول العملياتي عسكرياً في إعادة هندسة الجغرافيا السياسية للمنطقة، حيث تبنت طوكيو استراتيجية عسكرة الجزر الجنوبية الغربية، وعلى رأسها جزيرة يوناغوني المتاخمة لتايوان، والتي تفصلها عنها مسافة لا تتجاوز 110 كيلومترات. ويسعى المخطط الياباني لتحويل هذه الجزيرة بحلول عام 2030 إلى قلعة متقدمة لحظر الوصول، من خلال نشر منظومات صاروخية باليستية ودفاعية متطورة مثل “شو سام تايب 3″، لتمثل خط الدفاع الأول في أي سيناريو محتمل حول تايوان. ولم يعد التحرك يقتصر على الدفاع التقليدي، بل امتد لسيناريوهات هجومية ومناورات قتالية مشتركة وغير مسبوقة مع واشنطن، تضمنت محاكاة إغراق أهداف بحرية بصواريخ كروز؛ مما يعكس انتقالاً علنياً نحو مفهوم الردع والهجوم المضاد.
بالمقابل، يفجر هذا الاندفاع العسكري مأزقاً أمنياً ودبلوماسياً حاداً مع بكين، التي ترى في تسليح الجزر القريبة من تايوان استفزازاً مباشراً وتجاوزاً للخطوط الحمراء ومحاولة أمريكية واضحة للتطويق والاحتواء. وتزداد حدة الأزمة مع التصريحات السياسية لطوكيو التي ربطت بقاءها القومي مباشرة بملف سيادة تايوان، مما ينذر باحتمالات خطأ حسابي أو احتكاك عسكري غير مقصود في ممرات بحرية استراتيجية تمثل شرياناً حيوياً للاقتصاد والتجارة الدولية برمتها.
ورغم هذا التوجه الخشن للنخبة السياسية، يواجه هذا المسار قيداً داخلياً ثقيلاً يتمثل في انقسام الرأي العام الياباني؛ إذ ما زالت الذاكرة الجمعية للشعب الياباني متأثرة بأهوال الحرب العالمية الثانية، وتتمسك قطاعات واسعة بالمادة التاسعة من الدستور الرافضة للعسكرة والحروب، معبرة عن مخاوف جادة من الانزلاق إلى صراع مدمر ومفروض لحسابات قوى عظمى أخرى. وفي المحصلة، يظل المحيط الهادئ ساحة الاختبار الحقيقية لشكل النظام الدولي الجديد، متأرجحاً بين طموحات الردع وفرض توازن قوى جديد، وبين كوابح الرفض الشعبي ومخاطر الصدام الشامل الذي قد يعيد تشكيل العالم.








