منوعات

حين نصحو متأخرين

حجم الخط:

يستيقظ الإنسان أحيانا على حقيقة كان يهرب منها لسنوات يستيقظ ليجد أنه عاش طويلاً في أماكن ضيقة على مقاس الآخرين وأنه سمح لأحلامه تتآكل ببطء لأنه راهن على أشخاص لم يقدروا قيمته أو لأنه خاف من خطوة كان يجب أن يتخذها أو لأنه صدق أن الوقت سيعود بينما الوقت لا يعود بل يمضي ويأخذ معه كل فرصة لم تلتقط وكل لحظة لم تعاش وفي هذه الصحوة

المتأخرة يشعر الإنسان بثقل غريب ثقل أنه كان قادرا منذ البداية ثقل أنه كان يستحق أفضل ثقل أنه أعطى أكثر مما يجب ثقل أنه جامل على حساب نفسه ثقل أنه أخر روحه لكي لا يتأذى أحد غيره ثقل أنه سمح للأشياء الصغيرة أن تسرق منه سنوات كبيرة دون أن ينتبه لكن هذا الوعي المتأخر لا يأتي ليؤلم فقط بل يأتي ليحرر يأتي ليقول له إن العودة ممكنة وإن الترميم ممكن وإن البدء من
جديد لا يحتاج معجزة بل يحتاج جرأة وإن العمر الحقيقي لا يقاس بما فات بل بما تبقى وإن ما تبقى قادر أن يمحو ما مضى لو سار في الطريق الصحيح هذه المرة دون مساومة ودون خوف ودون انتظار لأحد ليفهمه أو يمنحه الإذن ومع الأيام يبدأ الإنسان ينهض ببطء لكنه ينهض ينهض لأنه تعب من تجاهل نفسه ينهض لأنه أدرك أن الفرص لا تنتظر بل تصنع ينهض لأنه رأى أن كل ما خسره كان درسا
لا عقابا ينهض لأنه علم أخيرا أن حياته لن تتغير ما دام هو نفسه لا يتغير وأن قلبه لن يشفى ما دام هو يعيده إلى ذات الأماكن التي أوجعته ويتحول هذا الإدراك المتأخر إلى قوة إلى وعد يقطعه الإنسان على نفسه ألا يعود لما كسره ألا يطرق أبوابا أغلقت في وجهه ألا يمنح قلبه لمن لا يفهم لغته ألا يعيد تكرار الأخطاء التي أرهقته وأن يجعل كل خطوة قادمة محسوبة وكل قلب يدخل
حياته مستحقا وكل حلم يقترب منه نابعا من روحه لا من توقعات أحد يفهم الإنسان أن الصحوة المتأخرة ليست تأخرا بل توقيتا مناسبا توقيتا ينضج فيه الوعي وتهدأ فيه العاطفة ويتضح فيه الطريق وتستعيد فيه الروح قوتها ليبدأ من جديد بطريقة لا تشبه أي بداية سابقة وكأن الحياة تمنحه فرصة ثانية ليكتب فصله القادم بإرادته لا بإرادة الظروف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى