مقالات

فريد عبد الوارث يكتب: مجزرة الهوية.. من “إبستين” إلى المناهج الفلسطينية

حجم الخط:
بينما لا يزال العالم يترنح تحت وطأة الصدمة التي خلفها زلزال “تسريبات جيفري إبستين”، كاشفاً عن عورات نخبة عالمية باعت فطرتها في سوق النخاسة الأخلاقية تطلُّ علينا من قلب فلسطين المحتلة فاجعةٌ لا تقلُّ خطورة؛ فاجعةٌ لا تستهدف الأرض بالاستيطان هذه المرة بل تستهدف “الإنسان” في أقدس حصونه.. وعيه وعقيدته وتاريخه.
إن الربط بين مستنقع “إبستين” و ما يحدث من “مجزرة تعليمية” على يد سلطة “أبو مازن” ليس ضرباً من الخيال، بل هو قراءة في كتاب واحد لسياسة عالمية تهدف إلى “هندسة الوعي البشري”؛ ففي الوقت الذي يُراد فيه للعالم أن يغرق في “تطبيع الشذوذ” و تفكيك الأسرة لكسر مناعة الشعوب، تبرز سلطة الانبطاح لتكمل المشهد، فتجتث الجذور وتئد الذاكرة.
مجزرة المناهج الفلسطينية حين يُغتال “صلاح الدين” مرتين
بأي حبرٍ مسموم كُتبت تلك التعديلات التي شطبت سيرة “صلاح الدين الأيوبي” من عقول أطفالنا؟ إن تغييب فاتح القدس ليس مجرد “تطوير تربوي”، بل هو محاولة بائسة لقطع حبل الوريد بين الجيل القادم ورموز عزته ولم يقف الحد عند التاريخ، بل امتد ليمسّ العقيدة و الوحي؛ فحذف “الإسراء والمعراج” هو محاولة خبيثة لنزع القدسية عن الأرض، وكأن الهدف هو إقناع الطفل الفلسطيني بأن “الأقصى” مجرد عقار جغرافي وليس معراجاً نبوياً يربط قلبه بالسماء.
لقد طالت يد التزييف كل ما يمت بصلة للصمود فتم شطب المعارك الإسلامية التي وقعت على أرض فلسطين لتجريدها من صبغتها الجهادية، أيضاً تغييب الأسرى و مجزرة دير ياسين، في محاولة لغسل ذاكرة النشء من جرائم المحتل و تضحيات الأبطال.
تزييف الأدب باستبدال قصائد “هنا باقون” بأدب “العتاب” المنكسر، لتحويل الإرادة إلى شكوى والصمود إلى استجداء.
إن ما يحدث في فلسطين هو مرآة لواقع أليم و شعب منكوب بأشباه الرجال الذين لم نرَ منهم سوى الإنبطاح و التذلل، إن تأمل منظومة التعليم في فلسطين المحتلة يكشف عن سياسة موحدة تهدف لتشوية وعي الأجيال واستبدال الأخلاق العربية و الإسلامية الرصينة بقيم الحداثة المشوهة التي مهدت الطريق لفضائح كأمثال “إبستين”.
هؤلاء الذين يمحون “دير ياسين” اليوم، هم أنفسهم الذين يفتحون الأبواب لـ “احتلال العقول” غداً، و لن يكون غريباً أن نرى اللغة العبرية تحل محل لغة الضاد في مدارسن فلسطين ما دامت كرامة السلطة قد سقطت في قاعة القذارة التي لم تبلغ قاعها الأخير بعد.
ختاماً.. فإن زلزال إبستين قد أسقط الأقنعة عن “سادة العالم”، وتعديلات مناهج السلطة أسقطت الأقنعة عن “سماسرة القضية” لكن الرهان سيبقى دوماً على “وعي الشعوب” وعلى تلك الفطرة التي لا تموت؛ فالقدس التي سقط ذكر إسراء نبيها من كتبهم، ستظل محفورة في قلوب جيلٍ يعرف جيداً أن الحق لا يُستجدى بالعتاب، وأن التاريخ الذي يُشطب من الورق يكتبه الأبطال بدمائهم في الساحات.
الأمل في الله وحده، واليقين في أمة لن يقتلها “أشباه الرجال” مهما طال الظلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى