المدينة التي تسكننا

ليست المدن مجرد شوارع ومبان ولا خرائط محفوظة في الذاكرة بل كائنات خفية تعيش داخل الإنسان وتتشكل مع ملامحه وتكبر مع سنواته المدينة ليست ما نراه حين نسير فيها بل ما نشعر به حين نغلق أعيننا ونستعيد لحظات لم نكن نعرف وقتها أنها تصنعنا خطوة خطوة كل إنسان يحمل مدينته الخاصة حتى لو تشارك المكان مع آلاف غيره لأن التفاصيل التي تلمس القلب لا تتكرر بنفس
الشكل ولا تترك الأثر نفسه في روحين مختلفتين في البدايات الأولى تتسلل المدينة إلى الوعي دون استئذان أصوات الصباح الأولى نظرات عابرة من نوافذ مفتوحة طرقات أقدام على سلالم قديمة أسماء شوارع نحفظها قبل أن نفهم معناها كل ذلك يتحول مع الوقت إلى ذاكرة صلبة تقوم عليها علاقتنا بالعالم وحين نكبر نكتشف أن ما ظنناه عاديا كان في الحقيقة حجر الأساس لشعورنا
بالأمان أو بالخوف بالانتماء أو بالوحدة المدينة لا تعلم بالكلام لكنها تزرع في أبنائها طباعها بصمت تعلم الصبر لمن طال انتظاره وتعلم القسوة لمن لم يجد فرصة وتعلم الحلم لمن لمح نافذة مفتوحة في لحظة صدق بعض المدن تصنع مقاتلين وبعضها تصنع حالمين وبعضها يخلق بشرا يمشون وهم يحملون حذرا دائما كأنه جزء من تكوينهم ومع مرور الوقت يتغير وجه المدينة أو يتغير وجهنا نحن
فتصبح الأماكن التي كانت نابضة بالحياة أكثر صمتا وتبدو الشوارع أضيق والوجوه أكثر غرابة لكن الحقيقة أن المدينة لم تختف بل انتقلت إلى الداخل صارت محفوظة في تفاصيل صغيرة لا يراها أحد غير صاحبها مقعد قديم باب مغلق رصيف شهد وداعا لم يكتمل وضحكة لم تتكرر المدينة قاسية حين تختبر أبناءها لكنها لا تفعل ذلك عبثا هي تعيد ترتيبهم من الداخل تسقط أحلاما كانت
أكبر من وقتها وتمنح أخرى لم تكن في الحسبان تجرح أحيانا بلا إنذار وتمنح أحيانا بلا سبب وكل من عاش طويلا في مدينة ما يعرف أنها لا تعطي كل شيء ولا تأخذ كل شيء الغربة الحقيقية ليست في الرحيل بل في البقاء دون شعور بالانتماء أن تسير في شوارع تحفظها عن ظهر قلب ولا تجد نفسك فيها أن تمر على أماكن كانت تشبهك فلا تشعر بشيء أن تكون محاطا بالناس وتشعر أنك
وحدك عندها يفهم الإنسان أن الانتماء علاقة شعورية لا ورقة ولا عنوان وفي المقابل هناك من يغادر مدينته جسدا لكنها لا تغادره أبدا تظل حاضرة في نبرة صوته وفي طريقة تفكيره وفي خوفه من المجهول وفي حنينه المفاجئ لأشياء لا يعرف كيف يصفها هؤلاء يحملون مدنهم كأثر لا يزول كجرح هادئ لا يؤلم دائما لكنه لا يختفي المدينة مرآة صادقة تكشف للإنسان حقيقته حين لا يراه
أحد فيها يتعلم أن القوة ليست في السيطرة بل في التعايش وأن النجاة ليست في الهروب بل في الفهم وأن الإنسان لا يحتاج مدينة مثالية بل مدينة حقيقية تشبهه بعيوبها وتناقضاتها وفي نهاية الرحلة يدرك الإنسان أن المدن لا تسكن الخرائط بل تسكن القلوب وأن المكان الذي شكله هو نفسه المكان الذي يعيده إلى ذاته كلما تاه وأن كل طريق مشيناه ترك فينا أثرا لا يمحى وأننا مهما ابتعدنا نظل
أبناء لتلك المساحات الأولى التي علمتنا كيف نرى العالم وكيف نحتمل الحياة وكيف نواصل السير حتى حين لا نعرف إلى أين نصل وهكذا تصبح المدينة سيرة ذاتية غير مكتوبة ويصبح الإنسان شاهدا على مكانه ويحمل داخله مدينة كاملة تمشي معه أينما ذهب وتبقى ف
يه حتى آخر الطريق








