التصوف بين الروحانية والانحراف

في مصر والعالم الإسلامي، يُعد التصوف من أكثر التيارات الدينية حضورًا على المستوى الشعبي، إذ يرتبط في أذهان العامة بالزهد وحب الأولياء والصالحين. لكن مع اتساع نفوذ بعض الطرق الصوفية، بدأت ممارسات غريبة تتسلل إلى العقيدة والسلوك الديني، الأمر الذي دفع العلماء والدعاة إلى رفع أصوات التحذير.
حكايات واقعية من الانحراف باسم "الطريقة"
الرجل الذي عطل الصلاة انتظارا لإذن شيخه:
في إحدى محافظات الصعيد، امتنع أحد المريدين عن دخول المسجد بحجة أنه لم يأخذ "الإذن بالذكر" من شيخه، قائلًا: *"مش هصلي لحد ما أستأذن
في الوقت الذي تتزايد فيه ظاهرة الاحتفالات الدينية الشعبية التي تُنسب إلى التصوف في شتى ربوع مصر، يتجدد الجدل حول مدى مطابقة هذه الممارسات للشريعة الإسلامية، وما إذا كانت تمثل امتدادًا لتراث شيعي دخيل، أم أنها بدعة لا أصل لها في الكتاب والسنة.
بين الذكر المشروع والرقص الممنوع
الذكر عبادة عظيمة في الإسلام، يقول الله تعالى:
{فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} [البقرة: 152]
ويقول النبي ﷺ: "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت" [رواه البخاري].
إلا أن ما يحدث في بعض حلقات الذكر الصوفي، من تمايل جماعي، وترديد أناشيد غنائية تتخللها ضربات الطبول، يبتعد عن جوهر الذكر النبوي، بل يصل أحيانًا إلى تشبّه بالرقص، وهو ما رفضه كبار العلماء. يقول الإمام الشافعي:
"تركت بالعراق شيئًا يُقال له التغبير، أحدثته الزنادقة، يصدّون به الناس عن القرآن".
مقامات الأولياء بين التقديس والتوحيد
انتشار المقامات فى مصر وفى بعض الأماكن يُعد ظاهرة لافتة في مصر. لكن التوسل بالمقبورين، وطلب المدد منهم، والدعاء عند أضرحتهم، قد يتجاوز حدود المشروعية.
قال الله تعالى:
{إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5]
وفي الحديث الصحيح:
"إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله" [رواه الترمذي].
وقد ثبت أن النبي ﷺ نهى عن الغلو في الصالحين فقال:
"إياكم والغلوّ، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين" [رواه النسائي].
ممارسات منهي عنها
من أبرز الممارسات الصوفية التي لا أصل لها في السنة:
الدوران والرقص الصوفي.
الاستغاثة بالأولياء بعد موتهم.
تقسيم أوراد مبتدعة تُتلى بطرق غير مفهومة.
الاحتفال بالمولد النبوي والموالد بطرق تشبه الحفلات الغنائية.
لبس المريدين زياً موحداً واتباع شيخ بطريقة طقسية تصل أحيانًا للتقديس.
مواقف العلماء
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه من الذكر والدعاء هو الخير والهدى، وما خالفه فهو بدعة وضلالة".
وقال الإمام مالك:
"من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة".
الصوفية والتشيع.. خيوط متقاطعة
يرى بعض الباحثين أن طقوسًا صوفية كزيارة القبور والتوسل بالأولياء واللطم الخفيف والندب قد تشابه طقوسًا شيعية، خاصة تلك المنتشرة في إيران والعراق.
لكن من المهم التنويه أن ليس كل صوفي شيعي، وليس كل من نسب إلى التصوف مبتدعًا، فبينهما فروق عقدية ومنهجية.
الدول التي تنتشر فيها الطرق الصوفية والشيعية
الصوفية موجودة بقوة في: مصر، السودان، المغرب، الجزائر، تركيا، السنغال، إندونيسيا.
الشيعة ينتشرون في: إيران، العراق، لبنان (حزب الله)، البحرين، اليمن (الحوثيون)، شرق السعودية، وأذربيجان.
وتندر أو تختفي المظاهر الشيعية في: المغرب، الأردن، تونس، ليبيا، الصومال، ومعظم دول الخليج.
لذلك فإن التصوف الحقيقي، كما عرفه الأوائل، هو التزكية والورع والخشية، لا التمايل والغلو والتبرك بالموتى. وقد قال النبي ﷺ:
"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور" [رواه أبو داود].
فلنعد إلى الأصل، ولنميز بين العبادة والبدعة، وبين الذكر والغفلة، وبين الورع والتهريج.








