القرن الأفريقى مرحلة شديدة الحساسية مع تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا وعودة المواجهات المسلحة فى إقليم تيجراى

يشهد القرن الأفريقي مرحلة شديدة الحساسية مع تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا وعودة المواجهات المسلحة فى إقليم تيجراى بصورة تهدد بإعادة المنطقة إلى أجواء الحرب التي شهدتها خلال السنوات الماضية
وتزداد خطورة المشهد مع انتقال الخلاف الإثيوبي الإريترى من دائرة التوتر السياسي إلى القطيعة الدبلوماسية بعدما أغلقت أديس أبابا سفارتها في أسمرة وطردت دبلوماسيين إريتريين قبل أن تعلن إريتريا قطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا
وفي الوقت نفسه تتواصل المواجهات في شمال إثيوبيا وسط مخاوف متزايدة من اتساع نطاق الصراع وتحوله إلى أزمة إقليمية تشمل إريتريا والسودان والصومال والبحر الأحمر
القضية الأكثر حساسية في هذا الصراع تتمثل في رغبة إثيوبيا في الحصول على منفذ بحري دائم
فإثيوبيا دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا وهو ما جعل قضية الوصول إلى البحر الأحمر جزءا أساسيا من حسابات الأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية الإثيوبية
وتكمن أهمية إريتريا بالنسبة إلى أديس أبابا في امتلاكها ساحلا طويلا على البحر الأحمر يضم موانئ استراتيجية أبرزها ميناءا عصب ومصوع
ومن هنا فإن أي محاولة إثيوبية لفرض وجود عسكري على الأراضي الإريترية أو السيطرة على أحد الموانئ ستعني تغييرا كبيرا في ميزان القوى داخل القرن الأفريقي والبحر الأحمر
لكن من الضروري التمييز بين ما هو قائم بالفعل وما هو مجرد سيناريو محتمل
فحتى الآن لا توجد معطيات علنية مؤكدة تثبت أن إثيوبيا اتخذت قرارا نهائيا بغزو إريتريا واحتلال موانئها إلا أن تصاعد التوتر بين البلدين يجعل احتمال المواجهة المباشرة واحدا من السيناريوهات التي تراقبها الأطراف الإقليمية والدولية بقلق
والأهم أن الخلاف لم يعد مرتبطا فقط بإريتريا
فإثيوبيا تحاول منذ سنوات تنويع خياراتها البحرية وهو ما ظهر أيضا في تحركاتها تجاه صوماليلاند وميناء بربرة على خليج عدن
وبالتالي فإن أي توسع إثيوبي في هذا الاتجاه قد يمنح أديس أبابا قدرة أكبر على بناء شبكة من العلاقات التجارية والأمنية والعسكرية المرتبطة بالبحر الأحمر وخليج عدن
وهنا تظهر أهمية مصر
فأمن البحر الأحمر بالنسبة إلى القاهرة ليس ملفا جغرافيا بعيدا وإنما يرتبط مباشرة بأمن الملاحة وقناة السويس والمصالح الاقتصادية والأمنية المصرية
كما أن باب المندب يمثل نقطة اتصال استراتيجية بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي ولذلك فإن استقرار الدول المطلة على هذه المنطقة يمثل جزءا مهما من أمن الملاحة الدولية
وفي هذا السياق فإن امتلاك إثيوبيا منفذا بحريا لا يعني تلقائيا قدرتها على إغلاق باب المندب أو التحكم منفردة في حركة السفن لأن المضيق ممر ملاحي دولي وتتحكم في أمنه وتوازناته عوامل إقليمية ودولية متعددة
لكن الخطر الحقيقي يمكن أن يتمثل في نشوء واقع استراتيجي جديد تصبح فيه إثيوبيا قوة أكثر حضورا على البحر الأحمر وخليج عدن بعد أن كانت دولة حبيسة
وهذا التطور يمكن أن يمنحها قدرة أكبر على بناء تحالفات عسكرية واقتصادية واستيراد المعدات عبر البحر وتطوير حضور بحري خاص بها
كما يمكن أن يؤثر ذلك على طبيعة المفاوضات الإقليمية المرتبطة بملف مياه النيل وسد النهضة إذا تزامن امتلاك منفذ بحري مع استمرار الخلافات بين القاهرة وأديس أبابا حول قواعد ملء وتشغيل السد
ومن هنا فإن القضية بالنسبة إلى مصر لا يجب أن تقرأ باعتبارها صراعا على ميناء فقط وإنما باعتبارها جزءا من معادلة أكبر تشمل أمن البحر الأحمر والنيل والقرن الأفريقي
وفي المقابل فإن السودان يمثل عاملا شديد الأهمية في هذه المعادلة
فاستمرار الحرب السودانية أضعف قدرة الخرطوم على لعب دور إقليمي مستقر وأصبح السودان نفسه ساحة لتداخلات إقليمية ودولية واسعة
وأي انتقال للصراع الإثيوبي إلى الحدود السودانية أو البحر الأحمر يمكن أن يضيف أزمة جديدة إلى واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابا
أما إقليم تيجراي فإنه يمثل نقطة الاشتعال الحالية
فالمواجهات المتجددة بين القوات الحكومية الإثيوبية والقوى المرتبطة بجبهة تحرير تيجراي أعادت إلى الأذهان الحرب التي اندلعت بين عامي 2020 و2022
ومع تصاعد المعارك واتهامات الحكومة الإثيوبية لإريتريا بدعم خصومها فإن احتمال انتقال الصراع من حرب داخلية إلى مواجهة مباشرة بين دولتين متجاورتين أصبح مصدر قلق إقليمي واضح
وفي المقابل تنفي إريتريا الاتهامات المتعلقة بدعم المعارضة المسلحة كما نفت مصر والسودان الاتهامات الإثيوبية لهما بالتورط في دعم الجماعات المعارضة
وهنا تكمن خطورة المرحلة
فكلما اتسعت دائرة الاتهامات وتراجعت قنوات الاتصال السياسية أصبحت احتمالات سوء التقدير أكبر
وقد يكون أي اشتباك محدود على الحدود بداية لتطورات أكبر يصعب احتواؤها
أما بالنسبة إلى مصر فإن التعامل مع هذه التطورات يحتاج إلى رؤية متعددة المسارات تبدأ بالدبلوماسية ولا تنتهي عند التعاون الأمني
ويأتي في مقدمة هذه المسارات تعزيز التنسيق مع إريتريا والصومال وتفعيل آليات التعاون الثلاثي التي جرى الاتفاق عليها خلال قمة أسمرة في أكتوبر 2024 والتي ناقشت بصورة مباشرة أمن البحر الأحمر وباب المندب والتنسيق بين الدول الثلاث
كما يمكن للقاهرة التحرك داخل الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية لدعم احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها ورفض تحويل الخلافات السياسية إلى مواجهات عسكرية
ويظل المسار الدبلوماسي مع إثيوبيا مهما للغاية لأن توفير ترتيبات قانونية وتجارية تضمن لأديس أبابا وصولا آمنا إلى البحر يمكن أن يكون أحد البدائل التي تمنع تحول قضية المنفذ البحري إلى ذريعة للصراع
وفي الوقت نفسه تحتاج مصر إلى الحفاظ على جاهزيتها الأمنية والعسكرية وحماية مصالحها البحرية دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة إلا إذا فرضت تطورات خطيرة واقعا جديدا يهدد الأمن القومي المصري بصورة مباشرة
فالسياسة الأكثر فاعلية في مثل هذه الأزمات ليست بالضرورة الدخول في الحرب وإنما منع الوصول إليها مع امتلاك القدرة على التعامل مع أسوأ السيناريوهات إذا وقعت
ويبقى السؤال الأهم
ماذا سيحدث إذا تمكنت إثيوبيا من فرض وجود دائم على الساحل الإريتري وأصبحت قوة بحرية ناشئة في جنوب البحر الأحمر
الإجابة لن تكون مرتبطة بإثيوبيا وحدها
بل ستتعلق بمستقبل البحر الأحمر وباب المندب والسودان والصومال وإريتريا وأمن الملاحة الدولية ومصالح مصر الاستراتيجية
ولهذا فإن ما يحدث فى تيجراي وإريتريا لا ينبغى النظر إليه باعتباره أزمة محلية بعيدة عن القاهرة
إنها أزمة تقع فى قلب منطقة ترتبط مباشرة بأمن مصر ومصالحها البحرية ومكانتها الإقليمية
والمرحلة المقبلة تحتاج إلى يقظة سياسية وتحرك دبلوماسى نشط وتنسيق إقليمي واسع مع الحفاظ على قوة الردع المصرية دون تحويل المنطقة إلى ساحة حرب جديدة
فالهدف الأساسى يجب أن يكون الحفاظ على استقرار البحر الأحمر ومنع تغيير قواعد التوازن بالقوة وحماية المصالح المصرية من خلال مزيج متوازن من الدبلوماسية والردع والتعاون الإقليمى








