هل يتحكم أحد في مصيرك؟.. إيساف يفتح الملف

أثار الفنان إيساف حالة من الجدل والتفكير بعد حديثه الصريح عن فكرة «الأعمال» وتأثيرها في حياة الإنسان، حيث لم يطرح الأمر باعتباره حقيقة مؤكدة، وإنما فتح بابًا لسؤال ظل حاضرًا في المجتمع لسنوات طويلة: هل يمكن فعلًا أن يمتلك شخص القدرة على التأثير في حياة إنسان آخر لمجرد أنه قام بعمل أو طلب شيئًا معينًا، أم أن الإنسان في النهاية يظل صاحب القرار والمسؤول الأول عن اختياراته؟
إيساف لم يتعامل مع الموضوع من زاوية الخوف أو الحكايات المتداولة، لكنه اختار أن يضع السؤال بشكل مباشر أمام الجمهور، مؤكدًا أنه يبحث عن إجابة إيجابية ومنطقية ومقنعة، والأهم أن تكون مدعومة بدليل، بعيدًا عن العبارات التي اعتاد الناس سماعها هوترديدها لعشرات السنين دون الوصول إلى إجابة حاسمة.
واللافت في كلام إيساف أنه لم يكتفِ بالسؤال عن وجود هذه الأمور من عدمه، وإنما انتقل إلى سؤال أكبر يتعلق بفكرة الإرادة الإنسانية نفسها، فإذا كان الإنسان قادرًا على التحكم في حياة إنسان آخر وتحديد شكل مستقبله دون إرادته، فما معنى السعي والتعب والتعلم والعمل والطموح وتكوين الأسرة وتربية الأبناء ومحاولة بناء حياة أفضل؟ وهي أسئلة تجعل النقاش يتجاوز فكرة «الأعمال» نفسها إلى مفهوم أوسع يتعلق بحرية الإنسان وقدرته على صناعة قراراته.
وهنا تظهر أهمية السؤال الذي طرحه إيساف، لأن القضية في جوهرها ليست مجرد نقاش حول معتقدات أو أفكار متوارثة، وإنما محاولة لفهم الحدود الفاصلة بين ما يؤمن به الإنسان، وما يستطيع إثباته، وما يفسره أحيانًا بالخوف أو القلق أو عدم القدرة على تفسير بعض الأحداث.
فالإنسان بطبيعته يبحث عن تفسير لما يحدث حوله، وعندما يواجه أمرًا غير مفهوم قد يلجأ إلى تفسيرات جاهزة تمنحه إجابة سريعة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه التفسيرات إلى يقين مطلق يمنع الإنسان من التفكير أو البحث أو حتى طرح الأسئلة.
ومن هنا يمكن فهم موقف إيساف باعتباره دعوة إلى الحوار وليس مواجهة مع أحد، فهو لم يقل إنه يمتلك الإجابة النهائية، ولم يقدم نفسه باعتباره صاحب الحقيقة المطلقة، لكنه قال بوضوح إنه يريد أن يسمع أو يرى ردًا جديدًا قائمًا على دليل، وهي نقطة مهمة في أي نقاش جاد، لأن السؤال الحقيقي لا يخيف، بل يفتح الباب أمام المعرفة.
كما أن حديثه يحمل جانبًا إنسانيًا واضحًا، خاصة عندما ربط بين هذه الفكرة وبين تفاصيل الحياة اليومية التي يعيشها كل إنسان؛ فنحن نتعلم ونعمل ونخطط ونخطئ ونصيب ونتزوج وننجب ونربي ونحلم ونحاول الوصول إلى النجاح، وفي الوقت نفسه نتحمل مسؤولية اختياراتنا ونُحاسب عليها، وبالتالي فإن فكرة امتلاك طرف آخر القدرة المطلقة على تحديد مسار حياة الإنسان تطرح تساؤلات عميقة حول معنى المسؤولية والإرادة والاختيار.
وهنا تحديدًا يصبح السؤال أكثر اتساعًا: هل كل ما يحدث للإنسان يمكن أن يكون خارج إرادته؟ أم أن هناك مساحة كبيرة يظل فيها الإنسان قادرًا على اتخاذ القرار وتغيير طريقه والتعلم من أخطائه وإعادة بناء حياته؟
كلام إيساف أيضًا يلفت النظر إلى مشكلة أخرى، وهي أن بعض القضايا المجتمعية تظل متداولة لفترات طويلة بالشكل نفسه، دون أن يتغير الخطاب حولها أو تتطور طريقة مناقشتها، فيظل الإنسان يسمع الإجابة ذاتها، بينما يظل السؤال الحقيقي بلا نقاش هادئ ومنطقي.
ولذلك فإن القيمة الأساسية في حديث إيساف ليست في الوصول إلى إجابة سريعة، وإنما في إعادة طرح السؤال من الأساس، لأن بعض الأسئلة تحتاج إلى البحث أكثر مما تحتاج إلى الخوف، وإلى التفكير أكثر مما تحتاج إلى تكرار ما قيل سابقًا.
وفي النهاية، يبقى الإنسان بين عالم من المعتقدات والأفكار والتجارب الشخصية، وبين حاجته الدائمة إلى فهم ما يحدث له، لكن الفارق الحقيقي يصنعه قدرته على التفكير وعدم الاستسلام للخوف، وعلى التفرقة بين ما يؤمن به وما يستطيع إثباته، وبين التجربة الشخصية والحقيقة العامة.
وربما لهذا السبب اختتم إيساف حديثه بالتأكيد على أنه يتحدث بجدية، وكأن الرسالة الأهم لم تكن في امتلاك الإجابة، وإنما في ضرورة أن نمتلك شجاعة السؤال نفسه: إذا كان الإنسان قادرًا على تحديد طريق إنسان آخر بالكامل، فما معنى السعي والاختيار والمسؤولية؟








