شئون دولية

هل تتحسن العلاقات بين مصر وسوريا؟ كواليس زيارة مسؤول سورى كبير للقاهرة

حجم الخط:

تشهد العلاقات المصرية السورية خلال الفترة الأخيرة تحركا لافتا يعكس وجود رغبة مشتركة فى فتح مسارات جديدة للتعاون بين القاهرة ودمشق خاصة فى الملفات الاقتصادية والتنموية وإعادة الإعمار

وتأتي الزيارات المتبادلة بين المسؤولين السوريين والمصريين فى مقدمة مؤشرات هذا التحول خاصة مع تزايد الحديث السورى عن أهمية الاستفادة من الخبرات المصرية في تنفيذ مشروعات إعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية والإسكان والتنمية العمرانية

ومن أبرز التطورات التي تعكس هذا الاتجاه التعامل المصري السوري في الملف الدبلوماسي حيث جرى تغيير المرشح السوري السابق لمنصب السفير في القاهرة بعد تحفظات مصرية ليتم الدفع بالسفير السوري الحالي يحيى دياب عقب استكمال الإجراءات والموافقات اللازمة

وفي تطور آخر شهدت القاهرة لقاء مهما بين وزير الأشغال العامة والإسكان السوري والجانب المصري جرى خلاله بحث آفاق التعاون في مجالات الإسكان والتخطيط والتنمية العمرانية وإنشاء المدن الجديدة وإدارة الأراضي والمرافق وتطوير البنية التحتية

كما أبدى الجانب السوري اهتماما واضحا بالتجربة المصرية في مجال التوسع العمراني وإنشاء المدن الجديدة وتطوير المناطق القائمة والاستفادة من آليات عمل المؤسسات والهيئات المعنية بالتنمية العمرانية إلى جانب الاستفادة من نماذج التعاون مع القطاع الخاص ووسائل جذب الاستثمارات

وأكد الوزير السوري عبد الرزاق أهمية التجربة المصرية في التنمية العمرانية باعتبارها تجربة تراكمت لديها خبرات واسعة يمكن الاستفادة منها وتطويرها بما يتناسب مع طبيعة الاحتياجات السورية خلال مرحلة التعافي وإعادة الإعمار

ولم تقتصر الزيارة على اللقاءات الرسمية حيث شهدت تحركات المسؤولين السوريين جولات ميدانية شملت مناطق سكنية ومؤسسات ومشروعات داخل العاصمة الإدارية وهو ما يحمل دلالة مهمة على اتساع مساحة الانفتاح المصري تجاه التعاون مع دمشق

كما يعكس طلب الجانب السوري الاستعانة بالخبرات الفنية المصرية رغبة في بناء قدرات وطنية قادرة على التعامل مع تحديات مرحلة إعادة الإعمار خاصة في قطاعات التخطيط والإسكان والمرافق والتنمية العمرانية

وفي المقابل فإن التقارب المصري السوري لا يعني تخلي القاهرة عن ثوابتها تجاه الأزمة السورية حيث تواصل مصر التأكيد على ضرورة الحفاظ على وحدة الدولة السورية وسلامة أراضيها ورفض أي محاولات لفرض واقع جديد على الأراضي السورية بالقوة

كما تتمسك القاهرة بموقفها الرافض للاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية وتؤكد ضرورة احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها وحقوق الشعب السوري بمختلف مكوناته وطوائفه

وتضع مصر في مقدمة أولوياتها كذلك مكافحة الإرهاب ومنع تحول الأراضي السورية إلى مصدر تهديد للأمن الإقليمي مع التأكيد على ضرورة التعامل مع ملف المقاتلين الأجانب الموجودين داخل سوريا بما يمنع استمرار حالة عدم الاستقرار وانتقال تداعياتها إلى دول المنطقة

ومن الواضح أن دمشق بدأت خلال الفترة الأخيرة في إظهار استعداد أكبر للتعاون مع القاهرة في عدد من الملفات وهو ما يمكن أن يشكل أساسا لعلاقات أكثر استقرارا خلال المرحلة المقبلة خاصة في المجال الاقتصادي ومشروعات إعادة الإعمار

وتملك مصر خبرات واسعة في تنفيذ المشروعات القومية والمدن الجديدة وشبكات المرافق والبنية التحتية وهو ما يجعلها شريكا محتملا مهما أمام سوريا في مرحلة إعادة البناء والتعافي

كما أن استقرار سوريا يمثل مصلحة مصرية مباشرة في ظل ارتباط الملف السوري بأمن المنطقة وحركة اللاجئين ومواجهة الإرهاب والحفاظ على استقرار الشرق الأوسط

ولا يمكن فصل هذا التحول عن طبيعة العلاقات الإقليمية الجديدة وخاصة تطور العلاقات بين مصر وتركيا والتفاهمات العربية والإقليمية بشأن مستقبل سوريا وهو ما يفتح الباب أمام مساحة أكبر للتنسيق حول الملفات السورية

وبالنسبة للقاهرة فإن وجود دولة سورية مستقرة وموحدة وقادرة على استعادة مؤسساتها وإعادة إعمار مدنها يظل أفضل بكثير من استمرار حالة الصراع والانقسام والتدهور الأمني

وتأتي هذه التحركات أيضا في ظل تغيرات دولية متسارعة تجاه السلطة الجديدة في دمشق وما يصاحبها من تحولات في الموقف الأمريكي والغربي من سوريا

وفي النهاية فإن ما يحدث بين القاهرة ودمشق يمكن وصفه بأنه تقارب تدريجي قائم على المصالح المشتركة وليس بالضرورة اتفاقا كاملا على جميع الملفات

لكن المؤشرات الحالية تؤكد أن مساحة الحوار بين مصر وسوريا أصبحت أوسع وأن القاهرة ودمشق تتحركان نحو بناء علاقة أكثر واقعية تقوم على التعاون الاقتصادي وتبادل الخبرات والحفاظ على وحدة الدولة السورية ومواجهة التهديدات الأمنية

والسؤال الأهم الآن ليس هل بدأت العلاقات المصرية السورية تتحسن وإنما إلى أي مدى يمكن لهذا التقارب أن يتحول خلال الفترة المقبلة إلى شراكة حقيقية تساهم في إعادة بناء سوريا وتحقيق الاستقرار في المنطقة

زر الذهاب إلى الأعلى