مصر تعيد رسم موازين القوة فى القرن الأفريقى

في واحدة من أكثر التحركات السياسية هدوءا ودهاء في المنطقة تبدو القاهرة وكأنها اختارت إدارة صراعها مع إثيوبيا بعقل الدولة الكبرى لا بمنطق المواجهة المباشرة فبينما انشغل العالم لسنوات بملف سد النهضة وما يحمله من تهديدات للأمن المائي المصري كانت مصر تتحرك على رقعة شطرنج أوسع بكثير لتعيد تشكيل التوازنات في القرن الأفريقي وتضع إثيوبيا أمام واقع جيوسياسي جديد
التصريحات الأخيرة الصادرة من وزارة الخارجية الإثيوبية والتي اتهمت فيها مصر بمحاولة عرقلة وصول أديس أبابا إلى البحر الأحمر لم تأت من فراغ بل تعكس حالة قلق متصاعدة داخل دوائر الحكم الإثيوبية من التحركات المصرية المتسارعة في المنطقة والتي نجحت في نقل الضغط من ملف المياه وحده إلى ملفات أكثر حساسية بالنسبة لإثيوبيا
إثيوبيا التي فقدت منفذها البحري بعد استقلال إريتريا في تسعينيات القرن الماضي تعيش منذ ذلك الوقت أزمة استراتيجية مزمنة باعتبارها دولة حبيسة تعتمد بشكل شبه كامل على موانئ جيبوتي في تجارتها الخارجية وهو ما جعل حلم العودة إلى البحر الأحمر جزءا أساسيا من مشروع رئيس الوزراء آبي أحمد لإعادة بناء النفوذ الإثيوبي في المنطقة
وفي إطار هذا الطموح اتجهت أديس أبابا إلى توقيع اتفاق مع إقليم صوماليلاند الانفصالي بهدف الحصول على موطئ قدم بحري يتيح لها إنشاء قاعدة وميناء مقابل الاعتراف بالإقليم كدولة مستقلة وهو ما أثار غضب الحكومة الصومالية وفتح باب أزمة إقليمية جديدة
لكن القاهرة تعاملت مع المشهد بطريقة مختلفة تماما فلم تلجأ إلى التصعيد العسكري المباشر ولم تدخل في مغامرات مكلفة بل اختارت التحرك وفق استراتيجية النفس الطويل عبر بناء تحالفات قانونية وسياسية في محيط إثيوبيا المباشر
التحرك المصري بدأ سريعا من خلال توثيق العلاقات مع الحكومة الفيدرالية الصومالية عبر اتفاقيات تعاون أمني ودفاعي تبعتها خطوات عملية شملت إرسال دعم عسكري ومعدات وتنسيقا أمنيا وهو ما منح القاهرة وجودا استراتيجيا على حدود إثيوبيا الشرقية بشكل شرعي وبدعوة رسمية من الحكومة الصومالية
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد إذ عززت مصر شراكتها مع إريتريا لتتشكل معادلة إقليمية جديدة تضم مصر والصومال وإريتريا وهو تحالف يرى مراقبون أنه يضع قيودا كبيرة على أي تحرك إثيوبي منفرد نحو البحر الأحمر ويعيد رسم موازين النفوذ في المنطقة
الرسالة المصرية تبدو واضحة فالقاهرة تريد التأكيد أن سياسة فرض الأمر الواقع في ملف سد النهضة لن تمر دون تكلفة وأن تجاهل المصالح المصرية في قضية المياه قد يقابله تضييق استراتيجي على المصالح الإثيوبية في ملفات أخرى شديدة الحساسية مثل الوصول إلى البحر الأحمر والاستقرار الحدودي والنفوذ الإقليمي
وفي المقابل تحاول إثيوبيا تقديم نفسها أمام المجتمع الدولي باعتبارها ضحية لتحركات مصرية تهدف إلى محاصرتها لكن القراءة الأعمق للمشهد تكشف أن القاهرة تعتمد على أدوات مشروعة تستند إلى القانون الدولي وإلى دعم وحدة وسيادة دولة عضو بالأمم المتحدة وهي الصومال
أما على المستوى الدولي فإن التحركات المصرية تأتي في توقيت بالغ الأهمية فالقوى الغربية تدرك جيدا أن القاهرة أصبحت رقما صعبا في معادلات الشرق الأوسط وأفريقيا سواء في ملفات الطاقة أو الهجرة أو الوساطات الإقليمية من غزة إلى السودان ولبنان وهو ما يمنح مصر مساحة أوسع للتحرك دون ضغوط مباشرة
ويرى متابعون أن القاهرة باتت تدير معركة سد النهضة بمنهج متعدد المسارات لا يقتصر على التفاوض الفني فقط بل يمتد إلى إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بإثيوبيا بما يضمن خلق أوراق ضغط طويلة الأمد قادرة على تعديل سلوك أديس أبابا وإجبارها في النهاية على العودة إلى طاولة التفاوض بشروط أكثر توازنا
وفي ظل هذه المعادلات الجديدة يبدو أن الصراع لم يعد مجرد خلاف حول المياه بل تحول إلى معركة نفوذ وممرات وتحالفات إقليمية تتشابك فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية
الرسالة التي ترسلها القاهرة اليوم تقول إن الدول الكبرى لا تخوض معاركها دائما بالصوت العالي ولا بالقوة المباشرة بل أحيانا عبر إعادة ترتيب خرائط النفوذ بهدوء حتى يجد الخصم نفسه محاصرا بخيارات محدودة وحقائق جديدة تفرض عليه إعادة الحسابات من جديد








