«مصر الخير» تطلق دليل تطبيقي عملي للمنظمات الأهلية للاستجابة للازمات والمخاطر وحالات الطوارئ المجتمعية

في خطوة جديدة تعكس تنامي الدور الاستراتيجي للمجتمع المدني في دعم الدولة المصرية ومساندة المجتمعات المحلية، أطلقت مؤسسة مصر الخير، عضو التحالف الوطني للعمل الأهلي التنوي، دليل تطبيقي عملي للمنظمات الأهلية للاستجابة للازمات والمخاطر وحالات الطوارئ المجتمعية.
جاء ذلك خلال المائدة المستديرة الموسعة التي عقدتها مؤسسة مصر الخير تحت عنوان «دور منظمات المجتمع المدني في الاستجابة لمواجهة الأزمات والمخاطر المجتمعية»، وذلك ضمن فعاليات مشروع «تعزيز أدوار المنظمات غير الحكومية في التنمية المستدامة والعمل المناخي».
وشهدت المائدة المستديرة حضورًا رفيع المستوى ضم ممثلين عن وزارات التضامن الاجتماعي والتنمية المحلية والتخطيط، إلى جانب نخبة من خبراء إدارة الأزمات والكوارث، وممثلي المجتمع المدني، ومعهد التخطيط القومي، وعدد من المتخصصين في مجالات التنمية والاستجابة الإنسانية والعمل المناخي.
وأكد الدكتور محمد ممدوح، رئيس قطاع تطوير الجمعيات الأهلية بمؤسسة مصر الخير والمدير التنفيذي للمركز العربي لاستدامة العمل الأهلي، أن المؤسسة أطلقت منهجية متكاملة تستهدف تطوير آليات تعامل الجمعيات والمنظمات الأهلية مع الأزمات والمخاطر والطوارئ المجتمعية، موضحًا أن المائدة المستديرة جاءت بهدف اختبار مدى ملاءمة هذه المنهجية لاحتياجات المجتمعات المحلية وقدرتها على التطبيق العملي على أرض الواقع.
وأوضح ممدوح أن المجتمعات باتت تواجه طيفًا واسعًا من الأزمات المركبة والمتسارعة، الأمر الذي يتطلب تدخلًا سريعًا وفعّالًا من منظمات المجتمع المدني، لافتًا إلى أن تدخل الجمعيات الأهلية في السابق كان غالبًا يأتي بعد وقوع الأزمة، بينما تستهدف المنهجية الجديدة الانتقال من «رد الفعل» إلى «الاستباق والوقاية».
وأشار إلى أن المنهجية التي أطلقتها مؤسسة مصر الخير ترتكز على بناء أنظمة للإنذار المبكر داخل مؤسسات المجتمع المدني، بما يسمح باكتشاف المشكلات المجتمعية في مراحلها الأولى قبل تحولها إلى أزمات ممتدة أو ظواهر مجتمعية معقدة تتطلب موارد وإمكانات ضخمة للتعامل معها.
وأضاف أن المنهجية تعتمد على تدريب الجمعيات والمنظمات الأهلية على آليات الرصد المبكر للمشكلات المجتمعية، وتحليل السلوكيات الفردية والمؤشرات الأولية داخل المجتمعات المحلية، بما يتيح التدخل المبكر واحتواء المشكلات قبل تفاقمها وتحولها إلى أزمات واسعة النطاق.
وأكد أن هذه الرؤية الجديدة من شأنها أن تعزز أثر المجتمع المدني وتزيد من كفاءة التدخلات التنموية باستخدام موارد أقل ومجهود أكثر فاعلية، مشيرًا إلى أن قضايا مثل التسرب من التعليم يمكن اكتشافها مبكرًا والتعامل معها قبل أن تتحول إلى ظواهر ممتدة ترتبط بمشكلات أخطر مثل عمالة الأطفال وزواج القاصرات.
وقال الدكتور محمد ممدوح عبد الله إن العالم يشهد اليوم تغيرات متسارعة وأزمات متلاحقة، وهو ما جعل المنظمات الأهلية لم تعد مجرد وسيط تنموي يعمل في أوقات الاستقرار، بل أصبحت في لحظات الأزمات «خط الدفاع الأول» الذي يحمي النسيج المجتمعي من التفكك والانهيار.
وأضاف: «حين تضرب الكوارث الطبيعية، أو تتفاقم الأزمات الاقتصادية، أو تنتشر الجوائح الصحية، تتجه أنظار المجتمع مباشرة نحو المنظمات الأهلية باعتبارها الأقرب إلى المواطنين والأكثر قدرة على فهم احتياجاتهم والاستجابة السريعة لها».
وأوضح ممدوح أن مشروع «تعزيز أدوار المنظمات غير الحكومية في التنمية المستدامة والعمل المناخي على المستوى المحلي» يستهدف دعم دور المجتمع المدني كشريك رئيسي في الحوكمة والتنمية المستدامة في مصر، مؤكدًا أن تنظيم هذه المائدة المستديرة يأتي كإحدى الآليات التنفيذية للمشروع بهدف دعم الحوار المؤسسي وتبادل الخبرات حول تعزيز جاهزية المنظمات الأهلية للاستجابة للأزمات والتحديات التنموية والمناخية.
وأشار إلى أن القيمة الحقيقية للمنظمات الأهلية لا تكمن فقط في سرعة التحرك، وإنما في امتلاكها «المرونة المؤسسية»؛ أي قدرتها على إعادة ترتيب أولوياتها وتعديل برامجها وتحويل مواردها بما يتناسب مع المتغيرات الطارئة والأوضاع غير المتوقعة.
وأكد أن المرونة المؤسسية أصبحت ضرورة وليست رفاهية، موضحًا أنها تقوم على ثقافة مؤسسية متكاملة تعتمد على استباق المخاطر، وبناء قدرات إدارة الأزمات، وتطوير آليات مستدامة للاستجابة للطوارئ والكوارث.
وأضاف رئيس قطاع تطوير الجمعيات الأهلية بمؤسسة مصر الخير، أن المنظمة القادرة على امتصاص الصدمات المجتمعية، ودعم الفئات الأكثر هشاشة، وتحويل التدخلات الطارئة إلى فرص للتعافي والتنمية، هي المنظمة الأكثر قدرة على تحقيق الاستدامة وبناء الثقة طويلة الأمد داخل المجتمع.
وأوضح أن المائدة المستديرة تمثل مساحة استراتيجية لإطلاق نقاشات معمقة حول تطوير منظومة الاستجابة المؤسسية للأزمات والكوارث داخل منظمات المجتمع المدني، وتحويل التحديات إلى فرص لبناء مجتمعات أكثر صمودًا واستدامة.
وأشار إلى أن تصاعد وتيرة الأزمات والكوارث الطبيعية والاقتصادية والصحية كشف عن تحديات كبيرة تواجه المنظمات الأهلية، في مقدمتها ضعف الجاهزية المؤسسية، وغياب خطط الطوارئ، ومحدودية التنسيق بين الجهات الحكومية والأهلية والخاصة، إلى جانب نقص الكوادر المتخصصة وضعف نظم المعلومات وقواعد البيانات الداعمة لاتخاذ القرار.
كما لفت إلى أن محدودية الموارد المالية والتقنية، وغياب آليات التقييم والتعلم بعد انتهاء الأزمات، وضعف مشاركة المجتمعات المحلية في التخطيط والاستجابة، كلها عوامل تؤثر على كفاءة التدخلات وتقلل من أثرها التنموي.
وأكد أن هذه التحديات تؤدي إلى بطء الاستجابة وقت الأزمات، وتضاعف تأثيرها على الفئات الأكثر احتياجًا وهشاشة، مشددًا على أهمية التحول من الاستجابات الوقتية إلى استراتيجيات استباقية قائمة على التخطيط والشراكة والتكامل المؤسسي.
وأوضح أن أهمية انعقاد المائدة المستديرة تنبع من تزايد وتكرار الأزمات محليًا وإقليميًا، والحاجة الملحة إلى تطوير أداء المنظمات الأهلية بما يواكب متطلبات التنمية المستدامة، إلى جانب تعزيز التكامل بين مختلف القطاعات، وتبادل الخبرات، وبناء رؤية مشتركة للاستجابة المؤسسية الفعالة.
وأشار إلى أن المائدة تستهدف تعزيز قدرات المنظمات الأهلية على الاستجابة السريعة والفعالة للأزمات والمخاطر، وتحليل واقع استجابة المجتمع المدني، ورصد الفجوات المؤسسية، واستعراض التجارب الناجحة، وتطوير آليات عمل قابلة للتطبيق، فضلًا عن دعم الشراكات بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني وربط جهود الاستجابة بأهداف التنمية المستدامة.
ومن جانبه، نقل الدكتور محمد العقبي، مساعد وزيرة التضامن الاجتماعي، تحيات الدكتورة مايا مرسي إلى المشاركين في المائدة المستديرة، مؤكدًا اهتمام الوزارة الكبير بملف إدارة الأزمات وضرورة الاستفادة من مخرجات الجلسات ورفع توصياتها لدعم تطوير آليات التعامل مع الأزمات المختلفة.
وأوضح العقبي أن المجتمع يواجه نوعين من الأزمات؛ أزمات طارئة وأخرى ممتدة، مشيرًا إلى أن جائحة كورونا والحرب على قطاع غزة مثلتا نموذجًا للأزمات الطارئة التي شهدت استجابة واسعة وسريعة من المجتمع المدني المصري.
وأضاف أن المجتمع المصري يواجه كذلك أزمات ممتدة تتعلق بمستويات الدخل والفقر وجودة الحياة، وهو ما يجعل تدخل المجتمع المدني ضرورة مستمرة من خلال برامج الدعم النقدي والغذائي والتمكين الاقتصادي وتحسين مستوى معيشة الأسر الأكثر احتياجًا.
وأكد أن المجتمع المدني أصبح شريكًا أساسيًا في عملية التنمية بالتعاون مع الحكومة والقطاع الخاص، لافتًا إلى أن القطاع الأهلي يعيش واحدة من أفضل مراحله من حيث النضج والتأثير والاحترام محليًا ودوليًا.
بدوره، شدد الدكتور محمد المغربي، عضو الهيئة العلمية بمعهد التخطيط القومي واستشاري التخطيط الاستراتيجي بوزارة التضامن الاجتماعي، على ضرورة إعداد وتأهيل منظمات المجتمع المدني لمواجهة الأزمات والكوارث، مع أهمية التمييز بين الأزمات الطارئة مثل الحروب والكوارث الطبيعية، وبين الأزمات المجتمعية الممتدة ذات التأثير العميق طويل الأمد.
وأكد أهمية الشراكة والتشبيك بين المجتمع المدني والأجهزة الحكومية والقطاع الخاص، موضحًا أن الحكومة تستثمر موارد ضخمة في إنشاء منظومات لإدارة الأزمات ووضع خطط المواجهة، فيما يمتلك المجتمع المدني قدرة كبيرة على الوصول المباشر للمواطنين، وهو ما يجعل التكامل بين الطرفين عاملًا رئيسيًا لرفع كفاءة الاستجابة وتقليل الخسائر.
وأشار إلى ضرورة عدم قصر مفهوم إدارة الأزمات على الكوارث المفاجئة فقط، بل التوسع في التعامل مع القضايا المجتمعية الممتدة مثل الفقر والتسرب من التعليم والإدمان وزواج الأطفال، باعتبارها أزمات ذات آثار بعيدة المدى على المجتمع.
ومن جانبه، أكد اللواء أركان حرب إبراهيم عثمان هلال، نائب أمين عام مجلس الدفاع الوطني الأسبق، أن المائدة المستديرة تأتي في إطار دعم جهود الدولة لتعزيز منظومة إدارة الأزمات والمخاطر، وترسيخ مفهوم الشراكة بين مؤسسات الدولة والمنظمات غير الحكومية في مواجهة الأزمات.
وشدد على أهمية تطوير وتحديث منهجيات إدارة الأزمات في جميع مراحلها، سواء قبل وقوع الأزمة أو أثناء إدارتها أو بعد انتهائها، مؤكدًا ضرورة التركيز على معالجة جذور المشكلات قبل تفاقمها.
وأشار إلى أهمية الاستفادة من الخبرات السابقة وخطط المواجهة السابقة، وتدريب منظمات المجتمع المدني على آليات الاحتواء السريع وتقليل الخسائر وتحليل نقاط القوة والضعف في خطط التعامل مع الأزمات.
وفي السياق ذاته، أعرب الدكتور خالد عبد الحليم، محافظ قنا الأسبق ومستشار وزارة التنمية المحلية الأسبق وعضو الهيئة العلمية بمعهد التخطيط القومي، عن سعادته بالمشاركة في المائدة المستديرة التي تناقش أحد أكثر الملفات أهمية وتأثيرًا على مستقبل المجتمعات.
وأكد أن القيادة السياسية تولي ملف إدارة الأزمات والكوارث اهتمامًا بالغًا، مع وجود توجيهات مستمرة بضرورة إعداد الخطط والاستراتيجيات اللازمة للتعامل مع مختلف أنواع الأزمات، بالتعاون الكامل مع مؤسسات المجتمع المدني.
وأوضح أن مفهوم الأزمات لا يقتصر على الحوادث والسيول والحروب والجوائح الصحية، بل يمتد ليشمل الأزمات الممتدة مثل الفقر والإدمان والتحديات الصحية والتسرب من التعليم.
وأشار إلى أهمية إعداد خرائط دقيقة للأزمات والتحديات داخل المحافظات المختلفة، وربطها بحجم الموارد والإمكانات المتاحة، مع تحديد أولويات التدخل وفقًا لتأثير كل أزمة على المجتمع.
وشدد على ضرورة تكاتف جميع مؤسسات الدولة، بما يشمل الجمعيات الأهلية والجامعات والأحزاب ووسائل الإعلام، باعتبارها جميعًا شركاء رئيسيين في مواجهة الأزمات وتحقيق الاستقرار المجتمعي.
ومن جانبه، أكد اللواء شريف زهران، مدير إدارة الأزمات ومركز سيطرة الشبكة الوطنية بوزارة التنمية المحلية، أن إدارة الأزمات ومركز السيطرة بالوزارة يؤديان دورًا محوريًا في دعم المحافظات ومتابعة الأوضاع الميدانية بما يضمن سرعة التعامل مع الطوارئ والأزمات المختلفة والحفاظ على سلامة المواطنين وتقليل الخسائر.
وأوضح أن مركز سيطرة الشبكة الوطنية يعمل على مدار الساعة لرصد ومتابعة الأحداث الطارئة وتحليل البيانات والمعلومات الواردة من مختلف القطاعات، بما يدعم سرعة اتخاذ القرار ورفع كفاءة إدارة الأزمات.
وأشار إلى أن مركز سيطرة الشبكة الوطنية التابع لوزارة التنمية المحلية يمتد في جميع المحافظات الـ27 بنسبة جاهزية تصل إلى 100%، ويقوم بدور حلقة الوصل الرئيسية بين الحكومة والمحافظات، بما يسهم في تحقيق التكامل بين أجهزة الدولة وضمان سرعة الاستجابة للأحداث الطارئة، فضلًا عن متابعة تنفيذ المشروعات القومية على مستوى الجمهورية.








