محمد النادي: رفع مصروفات المدارس الخاصة واللغات يجب أن يتزامن مع حماية حقوق المعلمين وضبط سوق التعليم الخاص

أكد محمد النادي، أمين عام التعليم بحزب مصر 2000، أن قضية رفع بعض المدارس الخاصة ومدارس اللغات للمصروفات الدراسية، في الوقت الذي لا ترتفع فيه أجور المعلمين بالقدر الذي يتناسب مع المتطلبات القانونية والمعيشية، لا ينبغي اختزالها في مجرد خلاف بين المعلم وصاحب المدرسة، وإنما يجب النظر إليها باعتبارها قضية ترتبط بحوكمة منظومة التعليم الخاص، وعدالة توزيع الإيرادات، وحماية حقوق العاملين، وضمان جودة العملية التعليمية.
وقال: إن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: إذا كانت بعض المدارس ترفع المصروفات الدراسية بصورة منتظمة، فما مدى انعكاس هذه الزيادات على أجور المعلمين وظروف عملهم؟ موضحًا أن زيادة المصروفات لا تعني بالضرورة أن كامل الزيادة يجب أن يوجه إلى الأجور، لأن المدارس تتحمل العديد من النفقات المرتبطة بالتشغيل والصيانة والتكنولوجيا والتدريب والمرافق والضرائب والالتزامات المختلفة، فضلًا عن تكلفة تطوير البنية التعليمية.
وأضاف “النادي” أن المشكلة تظهر عندما تكون المدرسة ذات أعداد طلابية كبيرة ومصروفات مرتفعة وتتمتع باستقرار مالي واضح، بينما تظل أجور بعض العاملين لديها منخفضة بصورة لا تتناسب مع الحقوق القانونية المستحقة، مشددًا على أن تحقيق الربح المشروع لا يتعارض مطلقًا مع حصول العاملين على حقوقهم كاملة، وأن الاستثمار في التعليم لا يمكن أن يقوم على إضعاف العنصر البشري الذي يمثل أساس العملية التعليمية.
وأشار إلى أن وزارة التربية والتعليم سبق أن أقرت زيادات سنوية للمصروفات في المدارس الخاصة واللغات وفق شرائح محددة، وهو ما يؤكد أهمية وجود رقابة فعالة على كيفية إدارة الموارد داخل المؤسسات التعليمية الخاصة، وعدم السماح بتحول زيادة المصروفات إلى وسيلة لزيادة الأعباء على أولياء الأمور دون انعكاس عادل على جودة الخدمة التعليمية أو أوضاع العاملين.
وأوضح محمد النادي في تصريح لـه أن إحدى أخطر الإشكاليات تتمثل في التعامل مع المعلم باعتباره بند تكلفة قابلًا للخفض بدلًا من اعتباره استثمارًا أساسيًا في جودة المؤسسة التعليمية، مؤكدًا أن خفض أجور المعلمين قد يحقق وفورات مالية قصيرة الأجل، لكنه في المقابل قد يؤدي إلى فقدان الكفاءات، وارتفاع معدل دوران العمالة، وتراجع الاستقرار المهني، وانخفاض الدافعية، وهو ما ينعكس في النهاية على مستوى الطلاب وجودة التعليم.
ولفت إلى أن ضعف القوة التفاوضية لبعض المعلمين يمثل عاملًا آخر في تفاقم المشكلة، خاصة عندما يخشى المعلم فقدان وظيفته فيضطر إلى قبول أجر منخفض أو ساعات عمل إضافية دون مقابل مناسب، مؤكدًا أن سوق العمل التعليمي يحتاج إلى علاقة أكثر توازنًا بين طرفي العملية التعاقدية، تضمن لصاحب المدرسة حقه في إدارة واستثمار مشروعه، وفي الوقت نفسه تحمي المعلم من أي انتقاص غير قانوني من حقوقه.
وشدد على ضرورة تعزيز الشفافية في اقتصاديات التعليم الخاص، بحيث لا يظل ولي الأمر أمام رقم المصروفات فقط، والمعلم أمام رقم راتبه فقط، بينما تغيب الصورة العامة المتعلقة بإيرادات المدرسة ونفقاتها واستثماراتها والتزاماتها.
وأوضح أن الرقابة المطلوبة لا تستهدف التدخل في الأرباح المشروعة لأصحاب المدارس، وإنما تستهدف التأكد من الالتزام بالقانون، وعدم استخدام الظروف الاقتصادية أو ارتفاع تكاليف التشغيل كذريعة دائمة للتهرب من حقوق العاملين.
وأكد على أن حماية أجر المعلم ليست قضية عمالية منفصلة عن جودة التعليم، لأن المعلم الذي يحصل على أجر غير عادل قد يضطر إلى العمل في أكثر من مدرسة، أو زيادة ساعات العمل، أو البحث عن مصادر دخل إضافية، وهو ما قد يؤثر على تركيزه واستقراره وقدرته على أداء دوره التربوي بالشكل المطلوب.
وفي الوقت نفسه، حذر من التعميم أو ظلم المدارس الخاصة الجادة، موضحًا أن ارتفاع المصروفات لا يعني تلقائيًا تحقيق أرباح ضخمة، فهناك مؤسسات تعليمية تواجه بالفعل ارتفاعًا كبيرًا في تكاليف التشغيل والاستثمار والصيانة والأجور والخدمات.
وأكد على أن المطلوب هو رقابة قائمة على البيانات وليس على الانطباعات، من خلال تصنيف المدارس وفق أوضاعها المالية والقانونية، بحيث تكون المدارس المستقرة ماليًا مطالبة بالالتزام الكامل بحقوق العاملين، بينما يمكن منح المدارس التي تواجه ضغوطًا مالية مؤقتة فترة زمنية محددة لتوفيق أوضاعها، بشرط تقديم بيانات ومستندات حقيقية تثبت موقفها، في حين يجب تطبيق القانون بحسم على المؤسسات التي يثبت تعمدها مخالفة القواعد المنظمة.
وأقترح ربط تجديد تراخيص المدارس الخاصة بدرجة الالتزام بحقوق العاملين، بحيث لا يقتصر تقييم المدرسة على المبنى والمناهج والتجهيزات والأنشطة، وإنما يشمل كذلك الأجور والتأمينات والعقود وساعات العمل والاستقرار الوظيفي وبيئة العمل.
كما دعا إلى إنشاء قاعدة بيانات إلكترونية متكاملة للعاملين في التعليم الخاص، تتضمن المؤهلات والخبرات ونوع التعاقد والأجر والتأمينات وساعات العمل والحوافز والأعمال الإضافية، بما يساعد الجهات الرقابية على اكتشاف أي فجوة بين الحقوق المثبتة في العقود وما يتم تطبيقه فعليًا على أرض الواقع.
وطالب كذلك بدراسة وضع آلية أكثر شفافية لربط الزيادات في المصروفات بتحسين عناصر العملية التعليمية، دون فرض نسبة موحدة من المصروفات يجب أن تذهب إلى أجور العاملين، نظرًا لاختلاف طبيعة وتكاليف المدارس، وإنما من خلال إلزام المؤسسات التعليمية بتقديم بيان مالي سنوي مبسط للجهات المختصة يوضح الإيرادات والمصروفات الأساسية وإجمالي الأجور والاستثمارات والالتزامات، مع الحفاظ على البيانات التجارية الحساسة.
وأكد على أهمية إنشاء آلية إلكترونية آمنة وسرية تتيح للمعلم الإبلاغ عن أي مخالفة تتعلق بعدم تطبيق الحد الأدنى للأجور، أو عدم التأمين، أو العمل الإضافي دون مقابل، أو الخصم غير القانوني، أو التهديد بالفصل بسبب المطالبة بالحقوق، مع ضمان حماية المبلغين من أي إجراءات انتقامية.
كما إقترح إعداد «ميثاق لحقوق المعلم في التعليم الخاص» يحدد بصورة واضحة الحقوق الأساسية للعاملين، وفي مقدمتها الأجر العادل، والعقد الواضح، والتأمين، وتحديد ساعات العمل، والحصول على مقابل العمل الإضافي، والإجازات القانونية، والحماية من الفصل التعسفي، ووجود مسار واضح للترقي والتطور المهني.
وشدد على أن العلاقة بين الدولة والمدارس الخاصة لا ينبغي أن تقوم على العقوبات وحدها، داعيًا إلى تقديم حوافز للمؤسسات التعليمية التي تثبت التزامها الكامل بحقوق العاملين، من خلال تصنيف مهني متميز يمكن أن يرتبط ببعض الحوافز الإدارية، بما يشجع المدارس على المنافسة في جودة بيئة العمل إلى جانب جودة الخدمة التعليمية.
وفيما يتعلق بالعقوبات، دعا إلى تطبيق نظام متدرج لكنه حاسم يبدأ بالإنذار، ثم منح مهلة محددة لتوفيق الأوضاع، ثم توقيع الغرامات وتشديد الرقابة، وصولًا إلى إجراءات إدارية أكثر صرامة في حالة استمرار المخالفة، مع التأكيد على أن معيار التطبيق يجب أن يكون واحدًا على الجميع دون استثناءات.
وأكد على أن المشكلة الحقيقية ليست في تحقيق صاحب المدرسة للربح، لأن الربح المشروع حق لأي مستثمر، كما أنها ليست بالضرورة في ارتفاع المصروفات إذا كانت هذه الزيادة مرتبطة بخدمة تعليمية حقيقية وتكاليف تشغيل واستثمار واضحة، وإنما تكمن المشكلة عندما يحدث انفصال بين القيمة التي يدفعها ولي الأمر مقابل الخدمة التعليمية وبين القيمة الاقتصادية والاجتماعية التي يحصل عليها المعلم الذي يقدم هذه الخدمة.
وقال إن المدرسة التي تبحث عن معلم مؤهل ومدرب ومتفرغ وقادر على العمل لساعات طويلة وتحقيق نتائج تعليمية مرتفعة، لا يمكن في الوقت نفسه أن تتعامل مع المعلم باعتباره أقل عناصر المؤسسة أهمية، لأن جودة التعليم تبدأ من استقرار المعلم وتقديره مهنيًا وماديًا.
وأختتم تصريحه بالتأكيد على أن ملف التعليم الخاص يحتاج إلى انتقال حقيقي من إدارة المصروفات إلى إدارة الجودة والحوكمة، موضحًا أن المعادلة العادلة لا تقوم على الصدام بين الدولة وأصحاب المدارس، ولا بين أصحاب المدارس والمعلمين، وإنما على تحقيق أربعة أهداف متوازنة: ربح مشروع للمستثمر، وحق قانوني كامل للمعلم، وقيمة تعليمية حقيقية للطالب، ورقابة فعالة وشفافة من الدولة.








