تقارير وتحقيقات

«كنت في سنك يا حفيدي».. حين يروي جيل أكتوبر ذكرياته لجيل ألفا

حجم الخط:
كتبت : نيفين صلاح محمد جاد
لو جلس رجل كان طفلا في أكتوبر 1973 أمام حفيده من جيل ألفا وسألناه ماذا بقي معك من تلك الأيام فلن تكون الإجابة على الأرجح قائمة بأسماء المعارك أو تفاصيل الخطط العسكرية وربما يتذكر شيئا أكثر بساطة صوت الراديو في البيت ووجوه الكبار وهي تتابع الأخبار وأمه التي تحاول أن تبدو مطمئنة وأبا أو أخا غائبا ينتظرون عودته ثم ذلك التغير المفاجئ في ملامح الناس عندما تحولت مشاعر القلق إلى فرحة لم يكن الطفل وقتها يعرف لماذا كانت كبيرة إلى هذا الحد
لم يكن الطفل يعرف أنه يعيش لحظة ستصبح بعد سنوات جزءا من تاريخ مصر كان يعيشها كما يعيش أي يوم آخر لكن شيئا في البيت كان مختلفا الأحاديث أكثر من المعتاد والاهتمام بالأخبار أكبر والغياب له معنى مختلف حتى الشارع بدا وكأنه يتنفس مع كل خبر جديد ولم تكن لديه الكلمات التي تفسر كل ذلك لكنه كان يلتقط التفاصيل ويحفظها في داخله
اليوم يستطيع حفيده أن يعرف عن أكتوبر خلال دقائق يستطيع أن يرى الصور ويسمع التسجيلات ويبحث عن أسماء القادة والمعارك ويشاهد الخرائط على شاشة صغيرة وربما يتساءل كيف كان الناس يعرفون الأخبار في زمن لم تكن فيه الهواتف المحمولة موجودة وكيف كانت الأسرة تطمئن على شخص بعيد ولا تستطيع الوصول إليه في أي لحظة
قد تبدو هذه التفاصيل غريبة لطفل اعتاد أن يصل إليه كل شيء بسرعة لكن الصورة تصبح أقرب عندما يسمعها من شخص عاشها فبدلا من أن يقال له إن الناس كانوا ينتظرون الأخبار يمكن أن يسمع عن أم كانت تجلس قرب الراديو وتطلب من أطفالها الهدوء عندما يبدأ المذيع أو عن أب يتابع النشرة ثم يذهب إلى عمله وهو يحمل القلق معه أو عن طفل كان يعرف أن هناك شيئا خطيرا من الطريقة التي يتحدث بها الكبار حتى لو لم يفهم كلمة واحدة مما يقولون
الطفل القديم لم يحتفظ بكل ما حدث في الحرب وإنما احتفظ بأثرها في حياته احتفظ بصوت وبوجه وبمكان وبأغنية وربما بيوم معين ظل يتذكره دون أن يعرف أهميته إلا بعد أن كبر وفهم ماذا كان يحدث حوله
أما الطفل الذي يسمع هذه التفاصيل اليوم فلا يحتاج إلى أن يعيش الحرب حتى يفهم بعض معناها يكفي أن يتخيل شخصا يحبه بعيدا ولا يستطيع الاتصال به أو أن يتخيل بيتا ينتظر خبرا ولا يعرف متى سيصل وعندما يضع نفسه مكان الطفل القديم تبدأ المسافة بين الزمنين في التراجع
لهذا ربما لا تكون أفضل طريقة لتقديم أكتوبر للأجيال الجديدة هي المزيد من التفاصيل وحدها وإنما الاقتراب من حياة الناس في ذلك الوقت كيف كان البيت وكيف كان الانتظار ماذا كانت تسمع الأسرة وماذا كان الطفل يرى في عيون والديه وكيف تغيرت ملامح الشارع عندما جاءت أخبار النصر
فالمعلومة التي تصل في صورة رقم أو تاريخ يمكن أن نحفظها ثم ننساها أما المشهد الإنساني فيبقى أكثر قدرة على الوصول إلينا ولهذا تظل شهادة من عاش أكتوبر وهو طفل مهمة لأنها تكشف جانبا لا يظهر في كتب الحرب وهو ما يحدث عندما يصل حدث تاريخي كبير إلى بيت عادي وإلى طفل لا يعرف لماذا تغيرت حياة أسرته فجأة
بعد أكثر من خمسين عاما ما زالت تلك التفاصيل قادرة على الانتقال من جيل إلى جيل ليس من خلال الصور فقط وإنما من خلال حديث بسيط يبدأ حين يقول الجد لحفيده كنت في سنك عندما حدث ذلك عندها تصبح المسافة بينهما أقل ويصبح أكتوبر شيئا يمكن تخيله لا مجرد تاريخ بعيد
وربما تكون أجمل لحظة عندما يسأل الطفل اليوم جده ماذا تتذكر فيجيب لم أكن أفهم كل شيء وقتها لكنني أتذكر أمي وهي تنتظر وأتذكر الراديو وأتذكر فرحة الناس وعندما يكبر الطفل الذي يسمع هذه الكلمات سيعرف أن ما يراه اليوم في الكتب والشاشات كان في يوم من الأيام حياة حقيقية عاشها أناس يشبهون أسرته تماما
هكذا تنتقل التجربة من صوت إلى صوت ومن بيت إلى بيت ويصبح جيل أكتوبر صاحب التجربة وجيل ألفا صاحب السؤال وبين التجربة والسؤال يبقى أكتوبر حاضرا لا باعتباره تاريخا محفوظا فقط وإنما باعتباره لحظة انسانية لا تزال قادرة على الوصول إلى طفل لم يولد بعد الحرب بعشرات السنين
زر الذهاب إلى الأعلى