مقالات

فريد عبد الوارث يكتب: حين تتبدد القوة قبل أن تولد… كيف أضاع الشرق فرصة صناعة توازن عالمي؟

حجم الخط:

تخيل مشهدًا مختلفًا تمامًا عمّا نراه اليوم… مشهد تتوحد فيه قوى إقليمية كبرى تمتلك من المقومات ما يكفي لإعادة رسم خريطة النفوذ في العالم، ماذا لو اجتمعت كلٌ من السعودية وتركيا ومصر وباكستان في إطار تحالف واحد؟ كيف ستكون ملامح القوة الناتجة؟

نحن أمام كتلة بشرية تتجاوز 400 مليون نسمة بما تمثله من طاقة بشرية هائلة وسوق استهلاكي ضخم وقاعدة إنتاجية قابلة للنمو، ومع هذا الحجم السكاني تبرز قدرات عسكرية معتبرة خاصة لدى مصر وباكستان بما تمنح هذا التكتل ثقلاً ميدانياً لا يمكن تجاهله.
أما الجغرافيا فهي كلمة السر فالسيطرة على شرايين التجارة والطاقة العالمية تمنح هذا التحالف المفترض أوراق ضغط استثنائية؛ من قناة السويس التي تمثل أحد أهم ممرات الملاحة الدولية إلى مضيق البوسفور الذي يربط بين قارتين وصولاً إلى قلب الطاقة العالمي في الخليج العربي، إنها نقاط ارتكاز لا تُقدّر بثمن في معادلات الصراع الدولي.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك فوجود قوة نووية مثل باكستان داخل هذا التكتل يضيف بعدًا ردعيًا بالغ التأثير بينما تمنح السعودية بثقلها النفطي نفوذًا مباشرًا على أسواق الطاقة العالمية، مزيج كهذا كفيل بأن يجعل أي قوة كبرى تعيد حساباتها قبل الإقدام على أي خطوة في المنطقة.
لكن … وبينما تبدو الصورة على الورق مبهرة فإن الواقع يسير في اتجاه مختلف تمامًا فالتباينات السياسية وتضارب المصالح تُبدد فرص التقارب، فالسعودية تميل بثقلها نحو الشراكة مع الولايات المتحدة وتركيا تنتهج سياسة براغماتية متقلبة تتحرك بين المحاور بينما تحاول باكستان الحفاظ على توازن دقيق مع واشنطن لتجنب فتح ملفات حساسة، وفي مقدمتها برنامجها النووي، علماً بأنه سيفح عاجلاً غير آجل !!!
وفي قلب هذه المعادلة تبدو مصر صاحبة رؤية أكثر تماسكًا وعمقًا عبر عقود طويلة حيث اعتمدت نهجًا يقوم على التوازن الاستراتيجي وتجنب الانزلاق إلى مغامرات غير محسوبة إدراكًا لتعقيدات الإقليم وتشابك مصالحه، وعلى النقيض دفعت بعض السياسات الخليجية ثمن رهانات متسرعة اعتمدت بدرجة كبيرة على مظلة الحماية الأمريكية والأوروبية في تقديرٍ قد لا يصمد دائمًا أمام تغير أولويات القوى الكبرى وتقلب مصالحها.
تقف مصر في موقع بالغ الحساسية تحاول الحفاظ على توازن معقد بين علاقات متشابكة حيث لا تبدو التحالفات ثابتة ولا الشراكات مضمونة في بيئة إقليمية تموج بالمخاطر والتحديات.
وهكذا، يظل هذا التحالف – بكل ما يحمله من إمكانات هائلة – مجرد احتمال نظري تصطدم طريقه بحسابات السياسة قبل أن يرى النور.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن أن تتحول هذه الفكرة يومًا إلى واقع؟ أم ستظل مجرد حلم مؤجل في منطقة لا تعرف رفاهية التوافق؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى