اخبار مصر

«عشرٌ أقسمَ الله بها».. أسرار النفحات الربانية في أعظم أيام الدنيا

حجم الخط:
ما أشرقت شمسُ زمانٍ على أيامٍ أعظمَ عند الله، ولا أجلَّ في ميزان السماء، من تلك الأيام المباركات التي تتنزَّل فيها الرحمات، وتُضاعف فيها الحسنات، وتُفتح فيها أبواب القُربات؛ إنَّها العشر الأوائل من ذي الحجة، موسمُ الأرواح، وميدانُ المتسابقين، وأيامُ الذكر والطاعة والإنابة إلى رب العالمين.
“يقول ” الدكتور فتحي فتحي بكلية أصول الدين بأسيوط
إنها أيامٌ أقسم الله بها في كتابه الكريم، وما أقسم العظيمُ إلا بعظيم، فقال-تعالى-:{وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ}، قال سيدنا عبد الله بن عباس-رضي الله عنهما-: “هي عشر ذي الحجة”، وقال الإمام ابن كثير: “والمراد بها عشر ذي الحجة، كما قاله ابن عباس، وابن الزبير، وغير واحدٍ من السلف”.
بالإضافة إلى أنها أَيَّامٌ هِيَ أَحَبُّ الأَيَّامِ إِلَى الله، فقد روى الإمام البخاري عن ابن عباس-رضي الله عنهما- عن النبي-- قال: مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ -يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ-، قالوا يا رسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْء” فأيُّ فضلٍ بعد هذا الفضل؟!، وأيُّ موسمٍ بعد شهادة النبي-- بأنه أحبُّ الأزمنة إلى الله-- للعمل الصالح؟!.
وإنَّ تعبيرَ النبيِّ-- بلفظِ «العملِ الصالحِ» جاءَ بلفظِ اسمِ الجنس؛ ليَستغرِقَ جميعَ ألوانِ الطاعاتِ، والقُرُبات، صغيرِها، وكبيرِها، ظاهرِها، وباطنِها، وفي ذلك مظهرٌ جليلٌ من مظاهرِ رحمةِ اللهِ بعبادِه؛ إذ لم يَحصُرْ لهم أبوابَ الفضلِ في نوعٍ دونَ نوع، بل فتحَ لهم ميادينَ التقرُّبِ إليه على سعتها، ورسمَ لهم منهجًا ربانيًّا فسيحًا يُقبِلونَ من خلالِه على اللهِ-تعالى- بما تيسَّر من أعمالِ البرِّ، ليتزوَّدوا من الطاعات، ويلتحقوا برَكبِ المتقين، وينالوا شرفَ العبوديةِ، وكمالَ القُربِ من ربِّ العالمين.
قال ابن حجر العسقلاني: “والذي يظهر أن سبب امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي: الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره”.
[١٨/‏٥, ٣:٤٦ ص] ش فتحي فتحي: كما أن من أعظم شعائر هذه الأيام أن يبدأها الإنسان بتوبة صادقة إلى الله-¬- يطهر بها ذاته، ويضبط من خلالها مساره، بالإضافة إلى إحياءُ الألسنة بذكر الله، وتعظيمه بالتكبير، والتحميد، والتهليل، قال-تعالى-: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ}، قال جمهور المفسرين: “الأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة”.
فعن عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما-، عن النبي-¬- قال: ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير، والتحميد”، وكان عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأبو هريرة الدوسي يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبِّران، فيكبِّر الناس بتكبيرهما، ومن صيغ التكبير المشهورة: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، فما أحوج القلوب اليوم إلى التكبير؛ ليعلو في النفوس تعظيمُ الله فوق ضجيج الدنيا، وفوق شهوات الأرض، وفوق هموم الحياة.
ومما يبرهن على عظم هذه الأيام أن النبي-- كان يعتني بصيام هذه الأيام، فعن بعض أزواج النبي-- قالت: «كان رسول الله-- يصوم تسع ذي الحجة»، ولا سيما يوم عرفة، ذلك اليوم الذي تتنزل فيه الرحمات، وتُقال فيه العثرات، قال--: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ»، يا لها من تجارة رابحة، يومٌ واحد، يمحو الله به ذنوب عامين.
ومما يضفي على هذه الأيام إجلالًا فتملأ القلوب إشراقًا، والنفوس ابتهاجًا اجتماع بعض الشعائر فيها، وعلى رأس هذه الشعائر بعد الحج الأُضْحِيَّةُ، فهي شِعَارُ التَّوْحِيدِ، وَالِافْتِدَاءِ، وفي هذه الأيام تُشرع الأضاحي، إحياءً لسنة خليل الرحمن إبراهيم الخليل، واستسلامًا لأمر الله-¬-، قال-تعالى-: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}، وقال سبحانه: {لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ}، فليست القضية دماءً تُراق، وإنما قلوبٌ تُهذَّب، ونفوسٌ تُربَّى على البذل، والطاعة، والخضوع.
[١٨/‏٥, ٣:٤٧ ص] ش فتحي فتحي: كما أن العَشْر مِيزَانُ الصَّادِقِينَ، فإن العبرة في هذه المواسم ليست بكثرة الكلام عن فضلها، وإنما بصدق المسابقة فيها، فهنا تُعرف هِممُ الرجال، وتُوزنُ القلوب، ويتفاوت الناس، فمنهم قائمٌ بالليل، ذاكرٌ بالأسحار، باكٍ من خشية الجبار، ومنهم غافلٌ تمرُّ عليه النفحات فلا يشعر، قال ابن رجب الحنبلي: “واعلم أن المؤمنَ إذا فتح له بابٌ من الخير، فليبادر إليه، فإنه لا يدري متى يُغلق عنه”.
بالإضافة إلى أن فِي العَشْرِ تُصْنَعُ الأَرْوَاح، فالعشر ليست أيامًا عابرة في التقويم، بل هي محطاتُ صناعةٍ إيمانية؛ تُصلح ما أفسدته الغفلة، وتُحيي ما أماتته الشهوات، وتردُّ القلب إلى الله بعد طول التِّيه.
فيا من أثقلتك الذنوب هذه أيام المغفرة، ويا من أرهقته الدنيا هذه أيام السكينة، ويا من ضاقت عليه الأرض هذه أيام الدعوات المستجابة، والنفحات المباركة.
فما أسرع انقضاء المواسم!، وما أقصر الأعمار!، وما أعظم الخسارة حين تمرُّ العشر على العبد وقلبه لاهٍ، ولسانه غافل، وصحيفته خاوية.
فحري بالمؤمن أن يستقبل هذه الأيام بالتوبة، وأن يعمرها بالصلاة، والذكر، والقرآن، والصدقة، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، غيرها من الأعمال الصالحة، فأكثروا فيها من التكبير والتهليل، فلعلها تكون أيامَ العتق، والقبول.
نسأل الله أن يجعلنا فيها من المقبولين، وأن يرزقنا اغتنامها على الوجه الذي يرضيه امين يارب العالمين
زر الذهاب إلى الأعلى