مقالات
عبدالحى عطوان يكتب : المكالمة الأخيرة

حجم الخط:
لم يكن المساء مختلفًا عن سابقيه…
نفس الصمت الذي يملأ أركان البيت، ونفس القلق الذي يسكن قلبها كلما تأخر صوته.
أمسكت الهاتف، وكأنها تستدعي به الطمأنينة، فإذا بصوته يأتي دافئًا رغم بُعد المسافات:
تنهدت طويلًا، وكأنها تُفرغ في زفرة واحدة كل ما أثقل قلبها:
طمأنته بكلمات تكاد تكون مبحوحة مستطردة نشتاق إليك فقد اضنانى بعدك، انفاسك ووجودك الدافئ وعطر ملابسك … ابنتى لا تكف عن سؤالي: متى يأخذني أبي إلى النزهة التي وعدني بها؟”
ساد صمت قصير… ليس عجزًا عن الرد، بل ثقلًا في القلب.
قال بصوت حاول أن يبدو ثابتًا:
“سأدبر الأمر… وإن لم أستطع الحضور، سأرسل ما تحتاجين مع صديق لى حتى تدفعى مصاريف المدارس والاقساط والأهم لا تنسي وعد النزهة لها … خذيها بدلًا عني.”
لم تتمالك نفسها هذه المرة:
وبصوت تخترقة الدموع قاطعته. لقد أنهكني الانتظار…”ما عدت قادرة على بعدك على صمت الجدران الباردة والألوان الباهته على حديثي مع نفسي طوال غيابك.
أغمض عينيه للحظة… كأن الكلمات أصابته في موضعٍ لا يُرى.
قال بهدوء موجوع:
“ أنتِ ترين ما نحن فيه. هناك أشياء لا تحتمل التأجيل…”نحن نخوض معركة وجود! الحياة هنا قاسية جدا نتعامل مع عالم لا يعرف خريطة للاديان أو الاوطان فلا تحملينى فوق طاقتى.
اقتربت الصغيرة، بعينين دامعتين، تبحث عن صوته:
“أبي… أريد أن أكلمه…”
تردد لحظة، ثم قال بصوتٍ خافت:
” أخشى أن ترى في صوتي وعدًا لا أستطيع الوفاء به… أخشى أن أكسر قلبها.”
لكن الصغيرة كانت قد بدأت فى البكاء
منذ يومين تريد فقط أن تسمعك… هاتفك كان مغلقًا…
تنفس بعمق، ثم قال:
“كنا في مهمة على الحدود… لا شبكة هناك… لكن الحمد لله، نجحنا… منعنا خطراً محدقاً كان في طريقه إلى بلادنا”
سكتت قليلًا، ثم قالت بصوتٍ مرتجف:
“لا أريد أن أعرف عن مهمتك ولا عن الخطر حتى لا اموت فى اليوم الف مرة… أريدك أنت… بجانبي… أريد أن أتوقف عن القلق عليك…”
ابتسم رغم كل شيء، وكأنه يحاول أن يزرع طمأنينة في أرضٍ قاحلة:
“سأعود… قريبًا جدًا… وبعدها نعوض كل شيء… أعدكِ.”
كانت تلك كلماته الأخيرة بينهما
اغمض عينية وأطلق العنان لنفسه ليتذكر ملامحها ..أنفاسها الدافئة ..كلماتها الحانية ..ملابسها ..أناقتها..رائحة عطرها . شعرها المسترسل على كتفيها ، بعض كلماتها عندما كانت تداعبه. حرف الراء وصعوبه نطقه فى كلماتها، وما إن هم بالنوم حتى جاءت الأوامر كالصاعقة للمأمورية الجديدة …. لكنها كانت له المأمورية الأخيرة
وبينما هى تناجى ربها بالدعاء
رن الهاتف مرة أخرى.
صوتٌ غريب، يحمل في نبرته ثقل الخبر:
“هل أنتِ زوجة الضابط محمود…؟”
تجمدت الكلمات في حلقها، وأجابته بصعوبة:
نعم…
جاءها الرد كطعنةٍ باردة:
نأسف… لقد استُشهد اليوم أثناء أداء واجبه على الحدود…
لم تسمع ما تبقى من الكلمات…
سقط الهاتف من يدها…
وسقط معه عالمٌ كامل.
لم تستطع أن تبكى أن تصرخ أن تنظر فقد فقدت كل شئ
بينما في زاوية الغرفة…
كانت الصغيرة ما تزال تنتظر نزهتها،
وتنتظر صوت أبيها…
وفي قلب الأم…
بقيت مكالمة أخيرة،
وعدٌ لم يكتمل،
وحبٌ لا يموت… لكنه يترك وجعًا لا يُحتمل
وقلوب ادميت، وملابس زينت بالسواد من رصاص الغدر








