مقالات
عبدالحى عطوان يكتب: (الجزء الثالث والأخير) مصافحة أخيرة مع القدر

حجم الخط:
لم يكن الطريق الذي اختاره هروبًا، بل كان امتحانًا أخيرًا للحلم. غادر القرية وقد ترك قلبه معلقًا عند نافذةٍ ضيقة، وعاد إلى المدينة يحمل وجعًا صامتًا، يُخفيه تحت معطف الطبيب ووقار المهنة. كان يعمل كمن يُداوي نفسه قبل أن يُداوي الآخرين، يسرق من الليل ساعاته، ويزرع تعبه في أرض الأيام منتظرًا حصادًا لا يُخيّب الرجاء.
مرت السنوات، وتزايد الرقم في العمر، وبداخله مازالت الصورة مطبوعه نظراتها ملامح عينيها ابتسامتها التى كانت تداويه كلما هما قربا من النافذة إشارات يديها بكلمات كانت تخترق قلبه بازهار العشق لم يستطع نسيانها بل مدرسةٍ قاسية علّمته الصبر، ونقّت روحه من التسرّع. كبر اسمه، ولمع صداه، وصار نجاحه حديثًا لا يحتاج إلى ترويج. لم يكن يفرح بالإنجاز بقدر ما كان يهمس لنفسه:«ما زلتُ أوفي الوعد».
وفي القرية، كانت صباح تُقاوم بطريقتها. لم ترفع صوتًا، ولم تُعلن رفضًا، لكنها أغلقت باب قلبها في وجه كل الطارقين بما فيهم ابن عمها. قالت لأبيها يومًا، وهي تُخفض عينيها:«القلب إن لم يطمئن، لا يعرف العشرة».فصمت الشيخ، وكان في صمته اعترافٌ مؤجّل بأن زواجها لا يفرض، وأن ذلك الشاب مازال يسكن قلبها
أدرك الشيخ مصطفى أن روحها المنكسرة مازالت هائمة به لكن القدر لم يمهله لإثبات قناعته المتأخرة فقد اقعده المرض ، وأخذ من جسده ما لم تأخذه السنين. وحين حملوه إلى المدينة، لم يكن يعلم أن باب الشفاء سيُفتح على يد ذاك الشاب الذي ردّه يومًا مكسور الخاطر. دخل الطبيب الغرفة، تبادلا النظرات ، غاص كل منهما فى الماضى والحاضر ،فالشيخ رأى أمامه رجلًا لا يشبه ذاك الفتى، رجلًا صنعته الخسارة كما صنعه النجاح.بينما الطبيب رائ امامه شيخا منهكا سنوات العمر تحيط بملامحه وخلال حديث حملت المودة كلماته تم التشخيص وكتابة الادوية في تلك اللحظة، انكسر شيءٌ صلب بداخل وجدان الشيخ الوقور .تعافى الجسد، والروح تغيّرت.
عاد إلى القرية يحمل قلبًا أخفّ، وحكمةً أنضج.روى لابنته تفاصيل كثيرة كأنه أراد أن يقدم اعتذارا غير مكتوب وقرر دعوة الطبيب ذات مساء، لا ليُجادله، بل ليسمعه. وبالفعل لبي الطبيب النداء ولكن خطواتة إلى ذلك المنزل كانت تحمل فى داخله كل اناشيد العشق التى لم يستطع الزمن أن يجعله ينساها دخل تقابلا تصافحا حديث طويل وحين طال الصمت، قال الشيخ بصوتٍ خافت: بابي مفتوح اليك،لحظتها لم تكن الكلمات وحدها من قالت كل شيء. كانت صباح خلف الباب، تُمسك دمعتها بيدٍ مرتجفة، ،حينما ادركت أن الانتظار لم يضع سدى.
وخلال أيام كأنهما فى سباق لعودة الزمن الضائع تم الزواج بلا صخب،احترامًا لسنوات الصبر. فلم يكن اللقاء نصرًا على الأب، بل انتصارًا للصدق، ولم يكن تحدّيًا للقدر، بل مصافحةً صادقة له بعد طول عتاب.اخرج الطبيب روشتة من دفتره وكتب عليه الأحلام لا تموت، لكنها تختبر صدق أصحابها.بينما كتب الشيخ فى نوته صغيرة تلازمه منذ شعوره بالنسيان أن القلوب حين تختار، لا تُخطئ كثيرًا.
أما صباح، فكانت كل الكلمات التى حملتها روشتة الطبيب ونوتة الشيخ الوقور بل الدليل الأجمل على أن الصبر ليس ضعفًا، بل إيمانٌ طويل النفس.






