فريد عبد الوارث يكتب : طائرات عربية فوق أديس أبابا… ومصر ترد بإعادة رسم موازين القوة

لم يعد ما جرى في أديس أبابا مجرد حدث عسكري عابر أو معرض جوي محدود التأثير، مشاركة طائرات الإمارات والمغرب في معرض “الأسد الأسود” الجوي بإثيوبيا جاءت كرسالة سياسية صريحة، في توقيت تخوض فيه مصر معركة وجود دفاعًا عن حقها التاريخي في مياه النيل التوقيت، والمكان وطبيعة المشاركة كلها عناصر تؤكد أننا أمام موقف متعمد لا يمكن عزله عن الصراع الإقليمي الدائر حول مستقبل الأمن المائي المصري.
السياسة، كما هو معروف لا تُدار بالعواطف ولا تحكمها الشعارات و مع ذلك فإن ظهور دول عربية إلى جانب إثيوبيا عسكريًا، بينما تواصل أديس أبابا سياساتها الأحادية وفرض الأمر الواقع في ملف السدود يمثل تجاوزًا خطيرًا للحد الأدنى من التفاهم العربي، ورسالة مباشرة بأن المصالح الضيقة باتت تتقدم على أي اعتبارات تتعلق بالأمن القومي المصري.
المعرض الذي جرى الترويج له باعتباره فعالية دولية كبرى، لم يكن في حقيقته سوى استعراض محدود شاركت فيه دول قليلة، أبرزها الإمارات والمغرب!! و الطائرات التي حلّقت في سماء قاعدة بيشوفتو لم تغيّر موازين القوى العسكرية، ولم تمنح إثيوبيا تفوقًا حقيقيًا، لكنها أدت وظيفة سياسية بالغة الخطورة: منح شرعية ودعمًا معنويًا لنظام يواجه أزمات داخلية، ويصعّد خارجيًا ضد دولة المصب الأولى في أفريقيا.
ورغم الضجيج الإعلامي المصاحب للحدث فإن الواقع العسكري ظل ثابتًا لم تُبرم صفقات استراتيجية، ولم يحدث نقل تكنولوجيا، ولم يظهر أي تهديد فعلي للقدرات الجوية المصرية التي ما زالت تحتفظ بتفوقها الكاسح في الإقليم، غير أن خطورة المشهد لا تكمن في الطائرات ذاتها، بل في الرسالة السياسية التي حملتها: اصطفاف واضح إلى جانب أديس أبابا في مواجهة المصالح المصرية.
القاهرة، من جهتها، لم تنجر إلى ردود فعل انفعالية أو بيانات صاخبة الرد المصري جاء هادئًا، محسوبًا، وعمليًا بتحركات عسكرية مدروسة في الصومال، توسيع دوائر النفوذ في السودان، وتعزيز الشراكات مع الحكومات الشرعية في مواجهة الجماعات المسلحة والانفصالية مصر اختارت أن تنقل المعركة إلى ساحات التأثير الحقيقية، وأن تؤمّن عمقها الاستراتيجي في القارة الأفريقية.
الرسالة المصرية هنا لا تحتمل اللبس: من يراهن على محاصرة القاهرة، سيجد نفسه أمام سياسة مصرية تقوم على كسر الطوق وبناء موازين ردع جديدة مصر لا تبحث عن صدام، لكنها لن تسمح بتهديد وجودها أو المساس بحقوقها التاريخية تحت أي مسمى أو غطاء دبلوماسي.
المحصلة، ما كشفته أحداث أديس أبابا هو سقوط وهم “التضامن العربي” عند أول اختبار حقيقي الواقع الجديد يفرض منطقًا مختلفًا: الاعتماد على القوة الذاتية، وتثبيت النفوذ، وصناعة الردع على الأرض فالنيل لا تحميه المعارض الجوية ولا البيانات الودية، بل تحميه دولة تعرف جيدًا متى تصمت، ومتى تتحرك، وكيف تفرض معادلاتها في لحظة الحقيقة.






