مقالات
خالد محسن يكتب: مناورات الدولة “الحبيسة”..وعقدة “الجغرافيا”!!

حجم الخط:
لم تعد الجغرافيا في عالم اليوم مجرد حدود مرسومة على الخرائط، بل أصبحت ساحة مفتوحة للمناورات السياسية وإعادة ترتيب المصالح وممارسة الضغوط المتبادلة. فالدول التي ضاقت بها خرائطها، قد تبحث عن منافذ جديدة إلى العالم، والدول التي تفتقد سواحل البحر، قد تحاول صناعة حضور بحري بأي وسيلة ممكنة.
وحين تتحول الجغرافيا إلى ورقة ضغط.. فلا البحر بديل عن النهر ولا الوجود محلّ للمساومة
والمشكلة تبدأ حين تتحول الطموحات المشروعة إلى أوراق ضغط، وحين يصبح حق الشعوب في الحياة والتنمية جزءًا من مقايضات سياسية لا تحتمل العبث أو المراوغة.
ومن هذا المنطلق، تبدو التحركات الإثيوبية المرتبطة بالبحث عن موطئ قدم على البحر الأحمر، وما يثار حول توظيف أوراق النفوذ الإقليمي في ملفات المياه والأمن، جزءًا من مشهد أكثر تعقيدًا من مجرد البحث عن منفذ بحري.
إنها محاولة لإعادة توزيع أوراق القوة في منطقة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الجغرافيا مع التاريخ، والمياه مع الأمن، والطموحات الوطنية مع المصالح الإقليمية.
• توصيف المشهد.. حين تتحول الجغرافيا إلى ورقة تفاوض:
إثيوبيا دولة كبيرة من حيث السكان والمساحة والتأثير السياسي، لكنها دولة حبيسة جغرافيًا، فقد فقدت منفذها المباشر إلى البحر بعد استقلال إريتريا. ومنذ ذلك الحين، ظل الوصول إلى البحر أحد هواجس السياسة الإثيوبية وطموحاتها الاستراتيجية.
لكن البحث عن منفذ بحري، مهما كانت مبرراته الاقتصادية والتنموية، لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر جديد للتوتر في منطقة تعاني أصلًا من صراعات ممتدة وهشاشة سياسية. فالبحر الأحمر ليس مجرد مساحة مائية، بل شريان استراتيجي للتجارة الدولية، ومسرح لتنافس القوى الإقليمية والدولية، ومجال حيوي يرتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي العربي والمصري.
وفي المقابل، يمثل نهر النيل بالنسبة لمصر قضية وجود لا تقبل المساومة، فالمياه ليست رفاهية سياسية، ولا ورقة يمكن تمريرها على موائد الصفقات، بل هي حق تاريخي وضرورة حياة ومستقبل شعب وحضارة.
ومن هنا يصبح الربط بين البحر والنهر، أو محاولة تقديم أحد الملفين باعتباره مقابلًا للآخر، من أخطر أشكال المناورة السياسية؛ لأن الملفات الوجودية لا تصلح للمقايضة، والسيادة الوطنية لا يمكن أن تكون ثمنًا لتفاهمات مؤقتة.
• محددات التوافق.. المصالح المشتركة لا الصفقات المؤقتة:
إن التوافق الحقيقي بين دول المنطقة لا يمكن أن يقوم على منطق الغالب والمغلوب، أو على تبادل الضغوط والتهديدات.
فالتاريخ والجغرافيا يفرضان على شعوب حوض النيل والبحر الأحمر أن تبحث عن مساحات التعاون قبل أن تدفعها الأزمات إلى حافة المواجهة.
وتتمثل أولى محددات التوافق ، باتخاذ خطوات نحو الاعتراف المتبادل بالحقوق والمصالح المشروعة، فمن حق إثيوبيا أن تسعى إلى التنمية، ومن حقها أن تبحث عن شراكات اقتصادية وتجارية تعزز تواصلها مع العالم، لكن ذلك لا يمنحها الحق في الإضرار بالمصالح الوجودية لدول أخرى.
وليس أمام أديس أبابا إلا العودة لصوت العقل،وإعلان حسن النوايا والتخلي عن سياسات المناورات والتعنت والتصرفات الأحادية.
أما المحدد الثاني، فهو الفصل بين الملفات وعدم تحويلها إلى أدوات ابتزاز سياسي. فقضية الوصول إلى البحر الأحمر لها أطرها القانونية والسياسية والجغرافية، كما أن قضية مياه النيل لها قواعدها الخاصة التي يجب أن تستند إلى التعاون وعدم الإضرار والاحترام المتبادل.
ويأتي الحوار الجاد بوصفه المحدد الثالث والأكثر أهمية؛ فالمفاوضات الحقيقية لا تُدار بمنطق كسب الوقت، ولا بإطلاق التصريحات المتناقضة، ولا باستخدام المشروعات الكبرى كأوراق ضغط، وإنما بإرادة سياسية تؤمن بأن الاستقرار المشترك أكبر من أي مكسب منفرد.
• أديس أبابا تناور.. والقاهرة ترفض المراوغات:
لقد أثبتت التجربة أن مصر تنظر إلى قضايا المنطقة بعين استراتيجية واسعة، لا تنفصل فيها قضية المياه عن منظومة الأمن الإقليمي الشامل، وهي تدرك أن استقرار دول القرن الإفريقي والبحر الأحمر ليس شأنًا بعيدًا عن مصالحها، كما أن أمن الملاحة والممرات البحرية يمثل امتدادًا طبيعيًا للأمن القومي المصري.
لكن القاهرة، في الوقت نفسه، تضع خطوطًا واضحة أمام أي محاولات للمراوغة أو فرض الأمر الواقع. فالتعاون مرحب به، والتنمية حق مشروع، والشراكات الإقليمية ضرورة، غير أن المساس بحقوق مصر المائية أو محاولة الالتفاف عليها عبر مقايضات سياسية أمر لا يمكن القبول به بأي حال من الأحوال.
وفي اعتقادي أن المشكلة ليست في الطموح الإثيوبي، وإنما في الطريقة التي يُدار بها هذا الطموح، فحين تتحول المناورة إلى سياسة دائمة، يصبح من الصعب بناء الثقة. وحين يُستخدم الغموض لتمرير خطوات أحادية، تتسع الفجوة بين الأطراف وتتراجع فرص الحل.
ولعل الرسالة الأهم هي أن مصر لا ترفض التعاون، لكنها ترفض المساومة على الوجود؛ فلا البحر بديل عن النهر، ولا النهر ورقة يمكن استبدالها بمواقف سياسية أو تحالفات عابرة.
• حلول بديلة.. من صراع الجغرافيا إلى شراكة المصالح:
إن البديل الحقيقي للمناورات ليس التصعيد، بل بناء منظومة إقليمية جديدة تقوم على المصالح المشتركة. ويمكن للدول المعنية أن تبحث عن صيغ اقتصادية وتجارية تتيح لإثيوبيا الاستفادة من الموانئ الإقليمية عبر اتفاقات واضحة تحفظ سيادة الدول الساحلية وتحقق المنافع الاقتصادية المتبادلة.
كما يمكن تطوير ممرات للنقل والتجارة، وربط شبكات السكك الحديدية والطرق والمناطق اللوجستية، بما يحول الموقع الجغرافي من سبب للصراع إلى فرصة للتكامل.
أما في ملف النيل، فإن الحل يظل مرهونًا باتفاق عادل وملزم يحقق مصالح التنمية دون إلحاق الضرر بالدول الأخرى، مع الإدارة المشتركة للسد الإثيوبي ،فالمياه يمكن أن تكون مصدرًا للتعاون، إذا توافرت الشفافية والإرادة السياسية، ويمكن أن تتحول إلى مصدر دائم للأزمات إذا استمر منطق الإجراءات الأحادية.
والأهم من ذلك كله هو بناء دبلوماسية إقليمية جديدة، تؤمن بأن أمن البحر الأحمر وأمن حوض النيل ليسا ملفين متناقضين، بل جناحان لاستقرار منطقة واحدة.
• ومضات نور.. حين تنتصر الحكمة على المناورة:
وسط هذا المشهد المعقد، تبقى هناك مساحة للأمل، فالمنطقة تمتلك من الموارد والفرص ما يؤهلها للتحول من ساحة للصراعات إلى مركز للتعاون والتنمية، فالبحر الأحمر يمكن أن يصبح جسرًا للتجارة والتواصل، والنيل يمكن أن يكون رمزًا للشراكة والحياة، إذا انتصرت الحكمة على نزعات الهيمنة.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه شعوب المنطقة هو تحويل الجغرافيا إلى لعنة دائمة، وتحويل الموارد الطبيعية إلى وقود للصراع.
أما المستقبل الحقيقي، فيبدأ حين تدرك دول الجوار طبيعة أبعاد المصالح المشتركة،ولامجال للحياة في عزلة، وأن أمن كل طرف لا يمكن أن يُبنى على قلق الطرف الآخر، كما أن صالح الجميع يتوقف على إدراك دقة المرحلة وعدم تهيئة الأجواء لتدخلات أطراف أجنبية تنفذ أجندات نفعية وتخريبية!.
لقد آن الأوان للانتقال من مناورات المقايضة إلى شراكة المصير؛ فالبحر لا ينبغي أن يكون ثمنًا للنهر، والنهر لا يجوز أن يتحول إلى أداة للضغط، والسياسة الحكيمة ليست في امتلاك أكبر عدد من أوراق المناورة، بل في القدرة على صناعة حلول تحفظ للجميع حقوقهم وكرامتهم ومستقبلهم.
وفي عالم تتغير فيه الخرائط وتتبدل فيه التحالفات، تبقى الحقيقة الثابتة أن المياه حياة، والبحار جسور، والجغرافيا قدر مشترك.
ومن يراهن على المراوغة قد يكسب جولة عابرة، لكنه يخسر الثقة التي تُبنى بها الأوطان وتستقر بها الأقاليم.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تدرك دول المنطقة أن المستقبل لا يُصنع بمقايضة البحر بالنهر، بل ببناء جسور الثقة بينهما؟.





