حين تنفتح العيون على الحقيقة

في لحظة غير متوقعة عندما تتوقف الدنيا من حولنا تبدأ الحقيقة في التسلل إلينا بخفة لكنها قوية تسحبنا من الضجيج ومن كل ما اعتقدنا أنه مهم وتضعنا أمام أنفسنا كما هي بلا أقنعة بلا تزييف بلا أعذار في هذه اللحظة نرى الأشياء التي تجاهلناها طوال السنين نرى الناس كما هم نرى الطريق كما هو نرى أرواحنا كما هي نرى كل الفراغات التي ملأناها بأوهامنا وأحلامنا المؤجلة كل
الصدمات التي شكلتنا كل الحب الذي لم نجرؤ أن نعيشه كل الخوف الذي حاولنا دفنه كل الأمل الذي تأخر في الوصول إلينا وكل ضياعنا في البحث عن شيء لم نكن نفهمه بعد نتعلم في هذه اللحظة أن الحياة ليست عدداً من الأيام بل شعور متدفق مستمر أن كل تجربة تمر بنا هي جزء من بناء ذاتنا أن كل وجع صادفنا هو درس وأن كل فرح عشنا لحظاته القصيرة يحمل معنى أعمق من
مجرد الابتسامة نتعلم أن القوة ليست في التماسك دائما بل في القدرة على النهوض بعد كل سقوط في القدرة على الاستمرار بعد كل خيبة في القدرة على الحب رغم الخيانة في القدرة على الثقة رغم الفقد في القدرة على العيش رغم كل شيء نتعلم أن الروح أعمق من أي عمر وأن النضج الحقيقي لا يأتي من عدد السنوات التي نعيشها بل من عدد المرات التي تعلمنا فيها الألم وعدد المرات
التي عرفنا فيها الحب الحقيقي وعدد المرات التي اكتشفنا فيها أنفسنا من جديد بعد أن فقدنا كل شيء وعدد المرات التي تمكنا فيها من الصبر وعدد المرات التي وقفنا فيها بعد السقوط مع مرور الأيام نفهم أن بعض الأشخاص يأتون ليعلمونا درسا ثم يرحلون أن كل تجربة مهما كانت مؤلمة أو قصيرة أو بعيدة أو غريبة تحمل في طياتها معنى أكبر مما نراه أن كل ضياع يعلمنا أين نجد أنفسنا
وكل خيبة تعلمنا من نثق ومن نترك وكل رحيل يعلمنا قيمة البقاء وكل صمت يعلمنا قيمة الكلام وكل دمعة تعلمنا قيمة الفرح وكل خطوة خاطئة تعلمنا قيمة الطريق الصحيح وكل فقد يعلمنا قيمة ما بقي وكل لقاء يعلمنا قيمة الغياب وكل فرح يعلمنا قيمة الحزن وكل شيء في الحياة يعلمنا كيف نعيش بصدق ونحب بعمق ونفهم بوعي ونصبر بحكمة ندرك في النهاية أن الحياة ليست سباقا
وليست صراعا وليست مجرد أحداث نمر بها بل هي رحلة داخلية طويلة رحلة لاكتشاف الذات رحلة لفهم المشاعر رحلة لتقدير الوقت رحلة لمعرفة قيمتنا رحلة لفهم الآخرين رحلة لإعادة ترتيب القلب والعقل والروح الحياة ضخم جدا مليئة بالتفاصيل الصغيرة التي تصنعنا مليئة بالمواقف التي تعلمنا مليئة بالحب والخسارة والألم والفرح مليئة بالضياع والاكتشاف مليئة بالصمت والكلام
مليئة بكل ما يجعلنا أقوى وأكثر نضجا وأكثر قدرة على الحب وأكثر قدرة على الصبر وأكثر قدرة على فهم أنفسنا والحياة من حولنا وفي النهاية ندرك أن كل شيء مر بنا وكل شيء عشناه وكل تجربة واجهناها وكل شعور شعرناه وكل خيبة وكل ضياع وكل فرح وكل وجع وكل صمت وكل ضحكة وكل دمعة وكل كلمة لم تقل وكل كلمة قيلت بعفوية أو عن وعي كل ذلك هو الذي شكلنا وجعلنا
ما نحن عليه اليوم كل ذلك هو الذي جعل الروح أقوى والقلب أهدأ والعقل أعمق وجعلنا نعيش الحياة بوعي حقيقي وبصدق حقيقي وبحب حقيقي وجعلنا نعلم أن النضج الحقيقي هو القدرة على فهم أنفسنا على احترام مشاعرنا على تقدير لحظاتنا على التمسك بما يستحق على ترك ما لا يستحق وعلى الاستمرار في العيش والحب والفهم والنمو مهما طال الطريق ومهما تعقدت
الرحلة ومهما تأخر الفرح ومهما تأخر السلام الداخلي وكل ذلك يجعلنا نعرف أن الحياة ضخم جدا وأن الروح أوسع وأعمق وأن كل لحظة نعيشها هي فرصة لإعادة اكتشاف أنفسنا ومعرفة قيمتنا ومعرفة حدودنا ومعرفة ما نستحق ومعرفة من يجب أن يبقى معنا ومن يجب أن نتركه ومعرفة المعنى الحقيقي لكل شيء وكل شعور وكل تجربة وكل لحظة وكل نفس وكل خطوة وكل ضحكة
وكل دمعة وكل صمت وكل صخب وكل فرح وكل وجع وكل اكتشاف وكل حب وكل فقد وكل درس وكل تجربة تجعلنا أقرب لأنفسنا وأكثر وعيا وأكثر قوة وأكثر قدرة على الحب وأكثر قدرة على الصبر وأكثر قدرة على الاستمرار وأكثر قدرة عل
ى الحياة بكل تفاصيلها








