منوعات

حين تتحول الجريمة إلى حكاية والحدود إلى ساحة للفوضى

حجم الخط:

ما بين سطور هذه القصة تتكشف أزمة أعمق من مجرد رحلة تهريب نحن أمام سردية خطيرة تعيد تعريف الجريمة كأنها مغامرة وتلبس المعاناة ثوب الإنجاز ثم تنهي المشهد بخطاب إقصائي يزيد النار اشتعالًا هنا لا بد من الوقوف لا للتعاطف فقط بل للنقد الصريح

الخلل الأول فادح تلميع التهريب حين يقدم المهرب باعتباره موثوقًا أو محترفًا فنحن لا نصف واقعًا بل نمنح شرعية غير مباشرة لنشاط إجرامي قائم على استغلال البشر كل تفصيلة في الرحلة من الدفع مقدمًا إلى التكديس والتقييد بالحبال والخوف المستمر تؤكد أن من يدير هذا الطريق لا يقدم خدمة بل يدير سوقًا سوداء للإنسان

 

ثم يأتي الخلل الثاني نبرة التفاخر بكسر الحدود هذا الخطاب لا يبرر المعاناة بل يفرغها من معناها تجاوز القوانين لا يتحول إلى بطولة لمجرد أن صاحبه وصل هذه الفكرة وحدها كفيلة بتشجيع آخرين على تكرار نفس الطريق وكأن المخاطرة قابلة للتطبيع وكأن النجاة الفردية تمحو الخطر الجماعي

 

أما الوجه الآخر من السرد فهو أكثر خطورة شعارات الغضب التي تعمم وترفض الجميع دفعة واحدة هذه اللغة لا تحل أزمة بل تصنع أزمة أكبر لا يمكن إدارة ملف الهجرة بعقلية الإقصاء كما لا يمكن تبرير الفوضى باسم الحاجة كلا الطرفين يهرب من الحقيقة أن هناك خللًا مركبًا يتطلب حلولًا مركبة

 

والحقيقة التي لا يجوز تجاهلها أن هذه الرحلة تكشف منظومة استغلال كاملة لا تتوقف عند المهربين هناك اقتصاد موازٍ يزدهر على حساب المهاجرين أسعار مبالغ فيها معلومات مضللة خدمات تباع تحت الضغط من الصحراء إلى المدينة المسافر يستنزف خطوة بخطوة

 

لكن الأخطر من كل ذلك هو التطبيع مع هذه الدائرة حين تروى القصة كأنها تجربة تستحق التكرار نكون قد فتحنا الباب لرحلات أخرى لضحايا جدد ولمزيد من تغول شبكات التهريب الصمت هنا ليس حيادًا بل مساهمة في استمرار الكارثة

 

النقد الحقيقي لا يكتفي بإدانة المهربين ولا ينجرف وراء خطاب الكراهية بل يضع الجميع أمام مسؤولياتهم وقف ترويج الوهم مواجهة الجريمة بصرامة وفتح مسارات قانونية تحفظ كرامة الإنسان وتضمن أمن الدول

 

الخلاصة الواضحة بين تزييف البطولة وخطاب الإقصاء تضيع الحقيقة والنتيجة واحدة إنسان يدفع إلى الصحراء وحدود تتحول إلى اختبار للفوضى بدل أن تكون عنوانًا للنظام

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى