منوعات

جميلة المـدن …

حجم الخط:

كأي فتاة عادية بدأت حياتي ..
وسارت روتينية مملة لا يشوبها أي جديد ولا يخالطها أي طارئ..
.
كنت أشاهد العالم من حولي كمتفرجة غير مبالية بالواقع ولا بالمستقبل ولم يكن لدي أحلام أو خطط مستقبلية ولا مجرد تفكير في مستوى تعليم معين ولم يكن يشغل بالي ارتباط أو زواج تاركة ذلك للقدر والنصيب ..
وصفوني بالجميلة الهادئة وكانوا يتغزلون في جمالي ويشكون من شقاوتي أحيانا وعنادي وعصبيتي في أحايين أخرى ..
مدهشة بحق هي مشاعر الطفولة في حياتنا ..
وحدها وبرغم كل عيوبها ترسم طريقنا وشخصياتنا وتظل برغم تناقضاتها هي أجمل مراحل العمر ..
لا شك أن بعض ظروف التربية والاحتكاك بصديقاتي من بنات الجيران وتأثري باللعب معهن ومشاحناتنا الكثيرة هي السبب في وصمي بالعصبية في رأي بعض المقربين مني ..
وكان من لا يعرفني ويرى هدوئي وسجيتي يصفني بالملاك الذي يمشي على الأرض ولا ينقصه إلا جناحان ليطير في الأفق البعيد ..
تعرضت بالطبع لتحرشات كثيرة بسبب جمالي وكنت محط اهتمام من يراني ولكن قيودي وأخلاقي كانت تمنعني من الانزلاق في تجارب ونزوات عاطفية غير مجدية يحيطني بها الفارغون الباحثون عن اللهو وشغل أوقات فراغهم ..
أعتقد أن أفضل مميزاتي هي كوني قوية بما يكفي لدرء أي هجوم أو محاولة كسر الهالة التي أحطت نفسي بها .. ما زلت راسخة المشاعر متمسكة بقيمي ولا أعرض نفسي لمتاهات وطرق فرعية قد تودي بي إلى عقد نفسية مزمنة يعيشها بعض الفتيات من تجارب فاشلة أخذت وقتهم وسرقت أحلامهم وسنوات أعمارهم بلا طائل ..
تزوجت سريعا بعد التخرج وانتقلت مع زوجي الى مدينة ساحلية من مدن القناة حيث يعمل وأنجبت طفلين هما كل حبي وحياتي أخذوا مني بعض ملامحي وشيئًا كبيرا من طباع والدهم ..
وكفتاة مصرية أعشق تراب وطني وإن كنت غير راضية عن بعض الأوضاع التي ضيقت على الناس حياتهم ومعايشهم وصرت أنا أيضا في حرب مع الظروف في بيت يضمني مع زوج محب يرعاني ويهتم لشئوني ..
كانت صديقاتي في المدينة الجديدة يعاملنني وكأني مختلفة عنهن وعن طبيعتهن وأنا لا أشعر بهذا الاختلاف واعتبره نوعا من المجاملات المعتادة بين الصديقات ..
كن يمدحن حبي للطبيعة والزهور وتألقي في ملابسي واختياراتي للألوان ومع ذلك كنت قليلة الكلام أمارس هواية القراءة لتحصيل ثقافة معقولة مع بعض التأمل أحيانًا ..
لقبني زوجي بـ ( جميلة المدن ) في مجاملة لطيفة أراها إحدى مداعباته المستمرة لكسب ودي وإشعاري بروح الأنثى بعد سنوات من العيش في بيت يضم أسرتي الصغيرة..
برغم كل القيود التي أحطت بها نفسي وبرغم السعادة الأسرية التي يراها الناس بادية على أسرتنا إلا أنني افتقد شيئا لا أدري كنهه ولا أعرف له اسمًا ولا وصفـًا ..
أحيانا أشعر بافتقادي للحب نفسه بمفهومه الخيالي الواسع لا الحب الواقعيّ الروتينيّ ..
افتقد وبشدة الاحساس بذاتي وكياني وأشعر بحقي في حياة أخرى أكثر إثارة وجنونـًا ..
أقاتل بشراسة هذا الشعور الخانق الذي يريد إفساد حياتي ويراودني ويلح على عقلي كثيرا كلما جلست وحيدة ..
ينتصر علي أحيانا ..
ويهاجمني في عنف وقسوة مع كل مشكلة تحدث بيني وبين زوجي ..
بل صار يطالبني بما هو أسوأ ..
التمرد ..
نعم التمرد ..
وهذا أمر يفوق طاقتي وقدرتي بالتأكيد ..
وأنا ما زلت أقاوم واصنع حائط صد منيع ..
فالتمرد ضد طبيعتي الهادئة التي تميل للاستقرار وتعشق الجو الأسريّ الحالم ..
أحاسيس غريبة ومشاعر مرتبكة وحالة فريدة لا أجد لها سببًا مقنعًا ..
فأنا القوية ذات العقل والحكمة ..لا أتخذ قرارا إلا بعد تفكير عميق يصدر عن اقتناع كامل ورؤىً متزنة ..
لست من الفتيات الطائشة التفكير أو الهوائية الهوى والميول ..
لا بد وأن أصير أقوى وأقوى ..
وأقاوم داعي التمرد ..
وكل الأسباب الخارجية التي تريد اختطافي بعيدا عن سياج الأسرة حيث أطفالي وزوجي وأقاربي وكل من أحبهم ..
سأظل ( فاطمة ) ابنة والديها التي تربت على معالي الأمور وترك سفاسفها ..
سأحيا كزوجة مخلصة وفيّة في عيون زوجي والأم الحنون الراعية لأولادها..
والأخت البارة بأخوتها ..
مهما حاول داعي التمرد والنشوز أن يغريني بأي طريق ..
أو يكسر حواجزي وأستاري ..
سأكون إنسانة رائعة في عيون من حولي كما عهدني الناس دومًا..
سأعيش بفخر نفسيّ وإباء ذاتيّ كجميلة متفردة من جميلات المدينة ..
بل وكل المدن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى