بسمة الجنايني: “وباء المعلومات الطبية” أصبح تهديدًا حقيقيًا للأمن الصحي والمجتمعات تحتاج إلى وعي رقمي مسؤول

أكدت خبيرة التغذية بسمة الجنايني أن العالم يواجه اليوم تحديًا صحيًا جديدًا لا يقل خطورة عن الأمراض التقليدية، يتمثل في الانتشار الواسع للمعلومات الطبية المضللة عبر منصات التواصل الاجتماعي، محذرة من أن ما يُعرف عالميًا بـ “وباء المعلومات” أصبح يؤثر بشكل مباشر على سلوك الأفراد الصحي وقراراتهم العلاجية، ويهدد سلامة المجتمعات بصورة متزايدة.
وقالت: إن التطور الرقمي الهائل وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي منحا المواطنين فرصًا كبيرة للوصول إلى المعلومات الصحية بسهولة وسرعة، إلا أن غياب التدقيق العلمي والاعتماد على مصادر غير متخصصة حوّل بعض المنصات إلى بيئة خصبة لنشر الشائعات الطبية والوصفات غير العلمية التي قد تتسبب في أضرار صحية خطيرة.
وأوضحت بسمة الجنايني في تصريح لـها أن الدراسات الحديثة تشير إلى أن مصر تضم ما يقرب من 50.7 مليون مستخدم نشط لوسائل التواصل الاجتماعي، في حين يستخدم الإنترنت أكثر من 96 مليون مواطن، وهو ما يجعل المنصات الرقمية اليوم واحدة من أهم مصادر المعلومات الصحية لدى قطاعات واسعة من المجتمع، خاصة بين الشباب.
وأضافت “الجنايني” أن الخطورة الحقيقية تكمن في أن نسبة كبيرة من المحتوى الطبي المتداول عبر هذه المنصات يفتقر إلى الدقة العلمية، حيث كشفت دراسات دولية أن نحو 45% من النصائح الطبية العامة المنشورة على بعض المنصات تحتوي على معلومات مضللة، بينما ترتفع النسبة في بعض مجالات الطب البديل إلى 67%، فضلًا عن انتشار محتويات غير موثوقة تتعلق بصحة الأطفال والصحة الجنسية والتغذية العلاجية.
وشددت على أن المحتوى الصحي الذي يقدمه غير المتخصصين عبر وسائل التواصل يحمل معدلات خطأ أعلى بأكثر من ستة أضعاف مقارنة بالمحتوى الذي يقدمه الأطباء والمتخصصون المرخصون، وهو ما يعكس حجم الأزمة التي تواجه الوعي الصحي في العصر الرقمي.
وأكدت على أن أخطر ما في هذه الظاهرة هو تأثيرها المباشر على السلوك الصحي للمواطنين، موضحة أن المعلومات المضللة تسببت خلال السنوات الأخيرة في زيادة التردد تجاه التطعيمات، وتأخير اللجوء إلى الأطباء، وانتشار الاعتماد على وصفات غير علمية، بالإضافة إلى التخلي عن العلاجات المعتمدة طبيًا لصالح نصائح يتم تداولها دون أي أساس علمي.
وأضافت أن بعض المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي يقدمون محتوى صحيًا أو غذائيًا بدافع تحقيق نسب مشاهدة وتفاعل مرتفعة دون إدراك لحجم المسؤولية المجتمعية المترتبة على ذلك، الأمر الذي قد يؤدي إلى تضليل المتابعين وتعريض صحتهم للخطر، خاصة في ظل غياب الوعي الكافي لدى بعض الفئات بضرورة التحقق من مصادر المعلومات الطبية.
وأشارت إلى أن منظمة الصحة العالمية أطلقت على هذه الظاهرة مصطلح “Infodemic” أو “وباء المعلومات”، في إشارة إلى التدفق الكبير للمعلومات الصحيحة والخاطئة معًا بصورة تجعل المواطن عاجزًا أحيانًا عن التمييز بين الحقيقة والشائعة.
وأكدت على أن مواجهة هذه الأزمة تتطلب تكاتفًا واسعًا بين المؤسسات الصحية والإعلامية والتعليمية، إلى جانب ضرورة تعزيز دور الأطباء والمتخصصين الحقيقيين على المنصات الرقمية من خلال تقديم محتوى علمي مبسط وموثوق يسهم في رفع مستوى الوعي الصحي لدى المواطنين.
كما دعت إلى إطلاق حملات توعية موسعة لتعزيز الثقافة الصحية والوعي الرقمي، وتشجيع المواطنين على عدم الاعتماد على أي نصائح علاجية أو غذائية مجهولة المصدر، وعدم تناول أدوية أو اتباع أنظمة غذائية علاجية دون الرجوع إلى المختصين.
وأوضحت أن الأمن الصحي في العصر الحديث لم يعد مرتبطًا فقط بالمستشفيات أو توفير الدواء، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بحماية المجتمع من التضليل المعرفي والمعلومات غير الدقيقة التي قد تؤثر على صحة الإنسان وسلامته.
واختتمت تصريحها بالتأكيد على أن بناء مجتمع صحي يبدأ من بناء وعي صحي صحيح، مشيرة إلى أن المعلومة الطبية الدقيقة أصبحت اليوم خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعات والأزمات الصحية، وأن مسؤولية حماية وعي المواطنين لا تقل أهمية عن مسؤولية علاجهم.








