فن وثقافة

انفراد خاص ميشال قزي يتصدر التريند بـ”بعرف إنك متلي”.. وأيمن قميحة يصنع تجربة موسيقية مختلفة

حجم الخط:

في السنوات الأخيرة، لم تعد الأزمة الحقيقية في الموسيقى العربية أزمة أصوات، فالأصوات الجميلة موجودة بكثرة، ولم تعد أزمة إمكانيات إنتاجية، فالمنصات الرقمية أتاحت للجميع فرصة الوصول إلى الجمهور، وإنما أصبحت الأزمة الأكبر هي أزمة الهوية. فعدد كبير من الأغنيات بات يعيش داخل دائرة مغلقة من التشابه، حيث تتكرر الجمل اللحنية، وتتشابه التوزيعات، وتُعاد الأفكار نفسها بوجوه مختلفة، حتى أصبح المستمع يشعر أنه يسمع الأغنية ذاتها بأسماء جديدة. وفي خضم هذا المشهد، جاءت أغنية “بعرف إنك متلي” للنجم اللبناني لتعلن أن هناك مدرسة مختلفة بدأت تتشكل، مدرسة لا تبحث عن التقليد، بل عن صناعة بصمة لا يمكن استنساخها.

 

ولم يكن تصدر الأغنية للتريند وتحقيقها أعلى نسب الاستماع مجرد صدفة أو نتيجة لحملة دعائية، بل كان انعكاسًا طبيعيًا لعمل عرف منذ اللحظة الأولى كيف يخاطب الإنسان قبل أن يخاطب السوق. فالجمهور اليوم أصبح أكثر ذكاءً، ويستطيع بسهولة أن يميز بين الأغنية التي صُنعت من أجل “التريند”، وتلك التي وصلت إلى التريند لأنها صُنعت بصدق وإيمان بالفن.

 

وراء هذا النجاح يقف اسم يستحق التوقف أمامه طويلًا، وهو أيمن قميحة، الذي كتب الكلمات وصاغ اللحن في آنٍ واحد، لكنه لم يؤلف أغنية فحسب، بل رسم ملامح مشروع موسيقي متكامل. ما يقدمه أيمن لا يقوم على فكرة “أغنية ناجحة” بقدر ما يقوم على صناعة هوية فنية، وهو الفارق الذي يغيب عن كثير من تجارب اليوم.

 

إن أخطر ما أصاب الأغنية العربية في العقد الأخير هو ما يمكن وصفه بعصر “الكوبي بيست”؛ ذلك العصر الذي أصبحت فيه الألحان تستعير روحًا من هنا، وإيقاعًا من هناك، وأسلوبًا من تجربة نجحت سابقًا، حتى تحولت الأعمال إلى نسخ متقاربة تفتقد الشخصية. لكن أيمن قميحة اختار الاتجاه الأصعب، وهو أن يبدأ من الصفر، وأن يكتب بلغته، ويلحن بإحساسه، وأن يغامر بصناعة جملة موسيقية يمكن التعرف عليها من أول استماع دون الحاجة إلى مقارنة بأحد.

 

هذه ليست مغامرة سهلة، لأن الابتكار في الموسيقى يحمل دائمًا مخاطرة أكبر من التقليد. فالتقليد يضمن منطقة آمنة، أما الابتكار فيحتاج إلى شجاعة، وإلى إيمان بأن الجمهور لا يزال يقدر الاختلاف الحقيقي. ومن هنا جاءت “بعرف إنك متلي” كإثبات عملي على أن الأصالة لا تزال قادرة على الانتصار.

 

في تجربة أيمن قميحة أنه لا يتعامل مع الكلمة باعتبارها مادة تُغنّى، بل باعتبارها كائنًا حيًا له إيقاعه الداخلي. لذلك لم تُفرض الألحان على النص، ولم تُجبر الكلمات على السير داخل قوالب موسيقية جاهزة، بل بدا أن اللحن وُلد من داخل الجملة نفسها، وكأن الموسيقى كانت مختبئة بين الحروف منذ البداية.

 

وهنا يظهر ذكاء ميشال قزي أيضًا، لأنه لم يحاول استعراض قدراته الصوتية على حساب المعنى، بل فهم طبيعة هذا المشروع، وتعامل مع الأغنية كممثل يعيش الشخصية لا كمطرب يؤدي النوتات. ولذلك بدا صوته صادقًا، قريبًا، غير متكلف، فكان الأداء امتدادًا طبيعيًا للنص، لا عنصرًا منفصلًا عنه.

 

وعندما يقول النص: “أنا بعرف إنك متلي”، فإننا لسنا أمام جملة رومانسية عابرة، بل أمام واحدة من أكثر العبارات الفلسفية عمقًا في الأغنية الحديثة. فالحب هنا لا يقوم على الانبهار، بل على الاعتراف. الاعتراف بأن الآخر يشبهك في هشاشتك، في خوفك، في أحلامك، وفي احتياجك للأمان. وهذه الفكرة تبتعد تمامًا عن الصورة التقليدية للحبيب المثالي، لتقدم إنسانًا حقيقيًا يبحث عن إنسان آخر يفهمه.

 

أما عبارة “ضل منيح… أثبتلي” فهي تمثل انقلابًا كاملًا على مفهوم الحب الاستهلاكي. فالأغنية لا تطلب الوعود، بل تطلب الاستمرار. لا تطلب الكلمات، بل تطلب الأفعال. وكأن أيمن كميحة يوجه رسالة تقول إن الحب ليس لحظة انبهار، وإنما قدرة يومية على البقاء والوفاء.

 

ومن الناحية الموسيقية، يمكن ملاحظة أن اللحن يرفض الصخب المتعمد الذي أصبح سمة لكثير من الإنتاجات الحالية. لا توجد قفزات مجانية، ولا استعراضات صوتية لإبهار المستمع، بل هناك تصاعد محسوب يخدم الحالة الشعورية. وهذا تحديدًا ما يجعل الأغنية قابلة للحياة لسنوات، لأن قيمتها لا ترتبط بموضة موسيقية عابرة.

 

إن العبقرية الحقيقية لأيمن قميحة تكمن في أنه لا يكتب ليستعرض ثقافته الموسيقية، ولا يلحن ليؤكد قدرته التقنية، بل يجعل كل عناصر العمل تعمل في خدمة الإحساس. وهذه سمة لا يمتلكها إلا القليل من صناع الموسيقى، لأن الأصعب دائمًا ليس أن تبهر المستمع، بل أن تجعله يشعر.

 

كما أن الأغنية تقدم نموذجًا جديدًا للأغنية اللبنانية المعاصرة؛ نموذجًا يحافظ على هوية اللهجة اللبنانية بكل دفئها وعذوبتها، لكنه في الوقت نفسه يتحدث بلغة إنسانية يفهمها أي مستمع عربي، مهما كانت لهجته أو ثقافته. وهذه العالمية التي تُبنى على الصدق، لا على التقليد، هي ما يمنح العمل عمرًا أطول وتأثيرًا أعمق.

 

ولا يمكن إغفال الدور الذي لعبه التوزيع الموسيقي لـمارك عبد النور، الذي اختار أن يمنح المساحات اللازمة لصوت ميشال وللكلمة، بعيدًا عن التكدس الصوتي الذي يطغى أحيانًا على الأغنية الحديثة. كما جاءت رؤية المخرج رودولف مغامس امتدادًا طبيعيًا لهذا المشروع، حيث اعتمد على الصورة الهادئة التي تخدم الإحساس بدلًا من مطاردة الإبهار البصري المؤقت.

 

و، لا تبدو “بعرف إنك متلي” مجرد أغنية ناجحة تصدرت التريند، بل تبدو إعلانًا عن اتجاه فني جديد يؤكد أن المستقبل سيكون لمن يمتلك هوية لا لمن يكرر هوية الآخرين. ووسط زحام الأعمال المتشابهة، يثبت ميشال قزي أنه يملك شخصية فنية تستحق التقدير، بينما يؤكد أيمن كميحة أنه واحد من الأسماء القادرة على إعادة الثقة في الأغنية العربية الحديثة، لأنه يراهن على الإبداع بدلًا من الاستنساخ، وعلى الابتكار بدلًا من “الكوبي بيست”، وعلى صناعة مدرسة موسيقية خاصة بدلًا من السير خلف المدارس الجاهزة. وإذا استمر هذا الخط الفني بنفس الجرأة والرؤية، فإن ما نشهده اليوم قد لا يكون مجرد نجاح أغنية، بل بداية مرحلة جديدة تُعيد للأغنية اللبنانية مكانتها بوصفها مساحة للإبداع الحقيقي، لا مجرد سباق على أرقام المشاهدات.

زر الذهاب إلى الأعلى