اخبار مصر

إريتريا وباب المندب ومصر أمام اختبار جيوسياسى جديد فى القرن الأفريقى

حجم الخط:
القرن الأفريقي يدخل مرحلة شديدة الحساسية مع تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا وعودة القتال فى إقليم تيجراى وهو ما يجعل البحر الأحمر وباب المندب جزءا أساسيا من الحسابات الاستراتيجية فى المنطقة
المشهد الحالى لا يعنى بالضرورة أن إثيوبيا تستعد لغزو إريتريا أو أنها قادرة على تنفيذ هذا السيناريو بسهولة فالمؤكد حتى الآن هو أن العلاقات بين البلدين وصلت إلى مرحلة خطيرة للغاية بعدما أغلقت إثيوبيا سفارتها في أسمرة وطردت دبلوماسيين إريتريين وردت إريتريا بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا بالتزامن مع تجدد القتال في شمال إثيوبيا
وقد حذر الاتحاد الأفريقي في الأول من أكتوبر 2026 من تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا ومصر ودعا الدول الثلاث إلى ضبط النفس والحفاظ على قنوات الاتصال واللجوء إلى الحوار والوسائل الدبلوماسية
وهنا تظهر أهمية إريتريا بالنسبة إلى الأمن الإقليمي
إثيوبيا دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993 ولذلك ظل الوصول إلى البحر الأحمر يمثل قضية استراتيجية بالنسبة لأديس أبابا وقد أصبح ملف الموانئ والوصول إلى البحر جزءا من الحسابات السياسية والأمنية المتشابكة في القرن الأفريقي
لكن امتلاك منفذ بحري لا يعني تلقائيا امتلاك القدرة على التحكم في باب المندب أو تهديد الملاحة المصرية فباب المندب ممر دولي شديد الحساسية وتشارك في أمنه أطراف إقليمية ودولية عديدة كما أن أي محاولة للسيطرة العسكرية على السواحل الإريترية ستفتح على إثيوبيا جبهات سياسية وعسكرية واقتصادية معقدة
ومع ذلك فإن سقوط إريتريا أو فقدانها السيطرة على موانئها الرئيسية مثل عصب ومصوع سيغير البيئة الاستراتيجية في البحر الأحمر بصورة كبيرة
فالخطر الحقيقي بالنسبة لمصر ليس مجرد حصول إثيوبيا على ميناء وإنما تحولها من دولة حبيسة إلى دولة تمتلك موطئ قدم مباشرا على البحر الأحمر بما يمنحها خيارات جديدة في التجارة والنقل العسكري والعلاقات الدولية ويزيد قدرتها على بناء تحالفات بحرية واستقبال المعدات والإمدادات عبر البحر
وهنا تتداخل قضية البحر مع قضية سد النهضة
فمصر تنظر إلى أمن مياه النيل باعتباره قضية وجودية بينما تنظر إثيوبيا إلى سد النهضة باعتباره مشروعا استراتيجيا للطاقة والتنمية ولذلك فإن أي تحول كبير في موازين القوة الإقليمية قد ينعكس على مسار التفاوض بين البلدين
لكن من المهم عدم التعامل مع فكرة أن إثيوبيا تستطيع ببساطة إغلاق باب المندب أمام مصر أو فرض رسوم على السفن المصرية باعتبارها أمرا محسوما فهذه خطوة ستكون عملا بالغ الخطورة قانونيا وعسكريا وسياسيا وستواجه بردود فعل إقليمية ودولية واسعة
كما أن الحديث عن طوق إثيوبي كامل حول مصر يحتاج إلى قدر كبير من التدقيق
إثيوبيا تمتلك موقعا استراتيجيا في منابع النيل وتعمل منذ سنوات على الحصول على منفذ بحري كما أن ملف أرض الصومال وميناء بربرة يمثل أحد عناصر التحولات الجيوسياسية في القرن الأفريقي لكن هذه الملفات ليست كلها تحت السيطرة الإثيوبية المباشرة ولا يمكن جمعها باعتبارها منظومة عسكرية واحدة مكتملة
والأخطر من ذلك أن منطقة القرن الأفريقي نفسها أصبحت ساحة لتنافس مصالح دولية وإقليمية متعددة وهو ما يجعل أي حرب جديدة بين إثيوبيا وإريتريا قابلة للتحول إلى أزمة إقليمية أوسع
ولهذا فإن المصلحة المصرية لا تبدو في انتظار سقوط أسمرة ثم التحرك وإنما في منع وصول الأزمة إلى هذه المرحلة من الأساس
وهنا يمكن أن تتحرك القاهرة عبر عدة مسارات
أولها تعزيز التنسيق مع إريتريا والصومال وهو مسار له أساس سياسي معلن بالفعل ففي القمة المصرية الإريترية الصومالية التي عقدت في أسمرة في أكتوبر 2024 اتفقت الدول الثلاث على تعزيز التعاون والتنسيق وناقشت أمن الدول الساحلية للبحر الأحمر وباب المندب كما اتفقت على إنشاء لجنة ثلاثية لوزراء الخارجية للتعاون الاستراتيجي
ثانيها استخدام الاتحاد الأفريقي باعتباره الإطار الطبيعي لمنع تحول الأزمة إلى حرب شاملة وهو ما يتفق مع الدعوة التي أطلقها الاتحاد الأفريقي حاليا إلى ضبط النفس والحوار
ثالثها الحفاظ على قنوات الاتصال مع القوى الإقليمية والدولية المؤثرة لأن منع الحرب أفضل كثيرا من الدخول في حرب بعد اندلاعها
رابعها رفع مستوى التنسيق الأمني والاستخباراتي مع الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن بما يحمي الملاحة ويمنع أي طرف من تحويل الممرات البحرية إلى أداة للضغط السياسي
خامسها الحفاظ على قوة الردع المصرية دون الانجرار إلى قرارات عسكرية متسرعة لأن أي تدخل عسكري مباشر في القرن الأفريقي سيكون له ثمن سياسي واقتصادي وعسكري كبير وقد يفتح مسارات لا يمكن التحكم في نتائجها بسهولة
أما السيناريو الأخطر فهو أن تتحول أزمة الوصول الإثيوبي إلى البحر إلى حرب مفتوحة مع إريتريا بالتزامن مع استمرار الصراع في تيجراي والأزمات الممتدة في السودان والصومال واليمن
عندها لن تكون القضية مجرد خلاف إثيوبي إريتري وإنما أزمة أمن إقليمي تمس البحر الأحمر وباب المندب وأمن الملاحة ومصالح مصر والسودان ودول الخليج والقرن الأفريقي والقوى الدولية الموجودة في المنطقة
ولهذا فإن السؤال الأهم بالنسبة لمصر ليس هل ستغزو إثيوبيا إريتريا أم لا وإنما كيف يمكن منع نشوء واقع جيوسياسي جديد يجعل البحر الأحمر وسد النهضة جزءا من معادلة ضغط واحدة
ومصر تمتلك أوراقا سياسية ودبلوماسية وأمنية واقتصادية عديدة لكن استخدام هذه الأوراق يحتاج إلى حساب دقيق للتوقيت والنتائج لأن الهدف الأساسي يجب أن يكون حماية الأمن القومي المصري وتأمين الملاحة والحفاظ على استقرار البحر الأحمر ومنع تحول الخلافات الإقليمية إلى حرب شاملة
المنطقة أمام مرحلة دقيقة للغاية وما يحدث في تيجراي وإريتريا والبحر الأحمر يجب أن تتم قراءته باعتباره مشهدا واحدا متشابكا وليس أحداثا منفصلة
فالقرن الأفريقي اليوم يقف أمام مفترق طرق وأي خطأ في الحسابات قد يجعل البحر الأحمر نفسه ساحة الصراع القادمة
ويبقى الحفاظ على قوة مصر وردعها مع توسيع التحالفات الإقليمية واستخدام الدبلوماسية والآليات الأفريقية والدولية هو المسار الذي يمكن أن يمنع تحول السيناريوهات الخطرة إلى واقع
زر الذهاب إلى الأعلى