اخبار مصر

دكتور محمد مرحومي يفتح ملف السمسرة في الحج السياحي: «الجواز ليس سلعة.. والحج لا يجب أن يتحول إلى مزاد»

حجم الخط:

في كل موسم حج، تتجه أنظار آلاف المصريين إلى شركات السياحة بحثًا عن فرصة لأداء الفريضة، وسط منظومة يفترض أن تقوم على قواعد واضحة، وإجراءات معلنة، وضوابط تحفظ حقوق الحاج والشركة والدولة.

لكن خلف هذه الصورة الرسمية، يبرز سؤال أكثر حساسية: ماذا يحدث لجواز سفر المواطن قبل أن يصل أصلًا إلى الشركة السياحية؟

في هذا الحوار، يتحدث الدكتور محمد مرحومي المتخصص في أعمال الحج و العمره – ورجل الأعمال والمستثمر بجمهورية مصر العربية

 

عن ملاحظات وممارسات يقول إنها أصبحت حاضرة في سوق الحج السياحي، متناولًا ما يصفه بانتشار الوسطاء والسماسرة، وتداول جوازات المواطنين قبل القرعة، وطلب عمولات من مقدمي الحجز، محذرًا من أن يتحول الحاج من مستفيد من الخدمة إلى طرف في سوق للمساومة.

 

ويؤكد المرحومي أن ما يطرحه ليس اتهامًا عامًا لجميع الشركات أو العاملين في القطاع، وإنما دعوة إلى مراجعة آليات السوق وتشديد الرقابة على أي ممارسات غير نظامية، حمايةً للحاج والشركة الجادة في آن واحد.

 

⸻

 

س: دكتور محمد، ما الذي لفت انتباهك في سوق الحج السياحي هذا الموسم؟

 

ج:

اللافت أن المشكلة لم تعد فقط في ارتفاع تكلفة الحج أو المنافسة بين الشركات، وإنما في الطريقة التي تتحرك بها بعض الجوازات داخل السوق.

 

لدينا شركات سياحية مرخصة، ولديها حصص مخصصة لها، لكنها في بعض الحالات تواجه مشكلة حقيقية في الوصول إلى جوازات المواطنين.

 

والأخطر من ذلك أن الجواز، الذي يفترض أن يكون جزءًا من علاقة مباشرة بين المواطن وشركة السياحة، أصبح في بعض الحالات يمر عبر وسيط أو مندوب أو كيان غير واضح الصفة، وكأن الجواز أصبح هو السلعة التي يتم التفاوض عليها.

 

وهنا يجب أن نتوقف ونسأل: هل نحن أمام منظومة لخدمة الحاج، أم أمام سوق يتنافس فيه الوسطاء على الجواز قبل أن تبدأ القرعة أصلًا؟

 

⸻

 

س: هل تقصد أن بعض الشركات لا تمتلك فعليًا العدد الكافي من الجوازات مقارنة بحصتها؟

 

ج:

هذا من الأمور التي تستحق الفحص والتدقيق.

 

بحسب ما رصدناه في السوق، هناك شركات قد تكون حصتها كبيرة على الورق، بينما عدد الجوازات التي تمكنت فعليًا من جمعها أقل بكثير من حصتها.

 

وقد تصل الصورة، في بعض الحالات التي يتم تداولها في السوق، إلى شركة لديها حصة في حدود عشرات الجوازات، بينما لا يتوافر لديها فعليًا سوى عدد محدود للغاية.

 

وفي المقابل، قد تجد مندوبًا أو وسيطًا أو كيانًا غير واضح الصفة بحوزته عدد كبير من الجوازات.

 

وهنا تظهر المفارقة: الشركة المرخصة لديها الحصة، والوسيط لديه الجوازات، والحاج هو صاحب الجواز وصاحب المال… لكنه قد يكون الطرف الأقل قدرة على التحكم في مسار معاملته.

 

⸻

 

س: وكيف تتم المساومة، بحسب ما يصل إليك من معلومات السوق؟

 

ج:

الصورة التي يتم تداولها في السوق تقوم على سؤال الشركة عن قيمة العمولة التي يمكن أن تدفعها مقابل الجواز.

 

ويُطرح مثلًا رقم محدد لكل جواز، وليكن عشرة آلاف جنيه، ثم يُشترط دفع العمولة سواء اكتملت الإجراءات أو لم تكتمل، أي ما يُعرف في السوق بمفهوم «فاضي أو مليان».

 

بمعنى أن العمولة لا ترتبط بالنتيجة النهائية، وإنما بمجرد تسليم الجواز أو إدخاله في المنظومة.

 

وهنا تصبح المسألة شديدة الخطورة؛ لأن هذه الأموال في النهاية قد تكون محسوبة ضمن المبالغ التي دفعها المواطن مقدمًا، بينما لم يكن قد صدر بعد أي تأكيد بأنه سيحصل على فرصة الحج.

 

⸻

 

س: وماذا عن مقدم الحجز الذي يدفعه المواطن؟

 

ج:

هنا تحديدًا تكمن المشكلة.

 

عندما يدفع المواطن مبلغًا باعتباره مقدمًا أو جدية حجز، فإن الأصل أن يكون التعامل واضحًا، موثقًا، ومرتبطًا بعقد وإجراءات نظامية.

 

لكن إذا دخل وسيط على الخط وطلب مبلغًا مقابل «الجواز»، ثم حصل على عمولته قبل ظهور نتيجة القرعة، فإن السؤال يصبح: ماذا يضمن للحاج استرداد أمواله إذا لم يحالفه التوفيق؟

 

قد تكون العمولة قد دُفعت بالفعل، بينما المواطن لم يحصل على تأشيرة ولم يفز في القرعة.

 

فكيف يصبح السمسار مستفيدًا قبل ظهور النتيجة، بينما الحاج نفسه لا يعرف هل سيؤدي الفريضة أم لا؟

 

⸻

 

س: هل ترى أن المشكلة في السمسار وحده؟

 

ج:

لا، وهذه نقطة مهمة جدًا.

 

السمسار لا يعمل في فراغ.

 

إذا كان هناك وسيط يجمع الجوازات، فهناك في الطرف الآخر من يقبل التعامل معه.

 

ولذلك لا أرى أن الحل يكون فقط بملاحقة السمسار وترك باقي المنظومة.

 

الشركة الجادة يجب أن تبني علاقتها مباشرة بالحاج، وأن تكون إجراءاتها واضحة، وأن يكون أي مندوب يعمل لصالحها معروف الصفة، محدد الاختصاص، ومرتبطًا بها بعلاقة قانونية واضحة.

 

أما أن تصبح الجوازات في يد أشخاص لا يعلم المواطن تحديدًا لحساب من يعملون، فهذه ثغرة يجب أن تتوقف عندها الجهات الرقابية.

 

⸻

 

س: هل معنى ذلك أنك تتهم شركات السياحة بالضلوع في هذه الممارسات؟

 

ج:

بالتأكيد لا.

 

هناك شركات محترمة وجادة وتعمل وفق الأطر النظامية، وتبذل جهودًا كبيرة لخدمة الحجاج.

 

لكنني أتحدث عن ممارسة سوقية تحتاج إلى تحقيق ورقابة، وليس عن إدانة جماعية لقطاع بأكمله.

 

بل على العكس، حماية الشركات الجادة من الوسطاء يجب أن تكون هدفًا أساسيًا؛ لأن الشركة التي تعمل وفق القانون لا ينبغي أن تنافس شخصًا يجمع الجوازات من خارج المنظومة، ثم يبيعها لمن يدفع أكثر.

 

⸻

 

س: وما الخطر الحقيقي في أن يتحول الجواز إلى سلعة في السوق؟

 

ج:

الخطر أكبر من مجرد عمولة.

 

لأن الجواز يمثل صاحبَه.

 

وراء كل جواز مواطن ينتظر فرصة لأداء فريضة، وأسرة تدخر وتستعد، وربما شخص ينتظر سنوات حتى تأتيه الفرصة.

 

عندما يتحول هذا الجواز إلى ورقة تفاوض بين وسيط وشركة، فإننا نكون قد غيّرنا ترتيب الأولويات.

 

الحاج يجب أن يكون محور المنظومة، وليس الجواز الذي يحمله.

 

والحج ليس مزادًا لمن يدفع أكثر.

 

⸻

 

س: وما رسالتك للحاج المصري؟

 

ج:

رسالتي واضحة جدًا:

 

لا تسلّم جواز سفرك لأي شخص لمجرد أنه يقول لك إنه «مندوب».

 

اسأل: مندوب عن أي شركة؟ وهل العلاقة موثقة؟ وهل الشركة مرخصة؟ وهل يوجد عقد وإيصال واضح؟ وما طبيعة المبلغ الذي تدفعه؟

 

والأهم: لا تعتبر دفع العمولة ضمانًا للحصول على التأشيرة أو الفوز في القرعة.

 

من يقول للحاج: «ادفع الآن، والجواز يدخل، وبعدها ربنا يسهل»، يضع المواطن في مخاطرة لا داعي لها.

 

الحاج يجب أن يعرف أين ذهب جوازه، ولمن سلّمه، وما الذي دفعه، وما الذي يضمن له استرداد أمواله إذا لم تكتمل الإجراءات.

 

⸻

 

س: وماذا تقول لشركات السياحة؟

 

ج:

أقول للشركات الجادة: لا تتركوا سوق الجوازات للوسطاء.

 

إذا كانت هناك حاجة إلى مندوبي مبيعات أو وكلاء، فليكن الأمر منظمًا بعقود واضحة، وعمولات معلومة، وآلية محاسبية شفافة، وأن تكون استحقاقات العمولة مرتبطة بالخدمة الفعلية والنتيجة وفق الضوابط، وليس بمجرد تسليم جواز المواطن.

 

الشركة التي تريد حماية اسمها وحصتها يجب أن تعرف من يجمع الجوازات لحسابها، ومن يتعامل مع الحاج باسمها، ومن يستلم الأموال، وكيف تتم إعادة المبالغ في حالة عدم اكتمال الإجراءات.

 

⸻

 

س: وما رسالتك للجهات الرقابية؟

 

ج:

التحذير العام مهم، لكنه وحده لا يكفي.

 

نحن بحاجة إلى رقابة عملية على السوق.

 

إذا ظهرت حالات تتعلق بجمع جوازات خارج الإطار النظامي، فيجب التحقق منها.

 

وإذا ثبتت عمولات تُحصّل بطرق غير معتمدة، فيجب التحقيق فيها.

 

وإذا ثبت وجود أشخاص يجمعون جوازات المواطنين لحساب جهات غير معلومة، فيجب معرفة صفاتهم القانونية ومصدر تكليفهم.

 

والأهم أن تكون هناك آلية واضحة يستطيع المواطن من خلالها الإبلاغ عن أي ممارسة مشبوهة، وأن يشعر بأن شكواه تصل إلى جهة تستطيع التحقيق فيها.

 

⸻

 

س: هل ترى أن المشكلة مرتبطة بتنظيم الحج في المملكة العربية السعودية؟

 

ج:

يجب التفريق بين الأمرين.

 

تنظيم دخول المشاعر وأداء الحج في المملكة العربية السعودية يخضع للأنظمة والتعليمات السعودية، وأداء الحج لا يكون إلا من خلال المسارات والتصاريح والتأشيرات المعتمدة.

 

أما ما أتحدث عنه هنا فهو ممارسات داخل سوق الحج السياحي في مصر تتعلق بجمع الجوازات، والوسطاء، والعمولات، وطريقة التعامل مع المواطن قبل ظهور نتيجة القرعة.

 

لذلك يجب ألا نخلط بين التنظيم السعودي للحج وبين أي خلل تجاري أو إداري يحدث قبل ذلك في السوق المصري.

 

كل مشكلة يجب أن تُعالج في مكانها الصحيح.

 

⸻

 

س: وماذا عن الصفحات التي تَعِد المواطن بحج مباشر أو حلول خارج المسار الرسمي؟

 

ج:

هذه من أخطر النقاط.

 

أي شخص يقول للمواطن: «سنضمن لك الحج»، أو «سنحوّل لك العمرة إلى حج»، أو «لدينا ترتيبات خاصة خارج المسار»، يجب أن يكون محل تدقيق شديد.

 

الحج ليس مجالًا للوعود الشفهية.

 

والتأشيرة لا تُشترى بكلمة من وسيط، ولا تُضمن بإيصال غير واضح، ولا تُستخرج من خلال علاقات شخصية.

 

الحاج يحتاج إلى مسار رسمي واضح، وشركة مرخصة، وعقد موثق، وإجراءات يمكن تتبعها.

 

وما عدا ذلك يجب التعامل معه بمنتهى الحذر.

 

⸻

 

س: في جملة واحدة، كيف تلخص المشكلة؟

 

ج:

المشكلة ببساطة أن السمسار إذا سبق الشركة، والجواز سبق القرعة، والعمولة سبقت النتيجة، فإننا نكون قد وضعنا التجارة قبل الخدمة، والوسيط قبل الحاج.

 

وهذا هو الخلل الذي يجب أن نتوقف أمامه.

 

⸻

 

س: وما الرسالة الأخيرة التي تريد توجيهها؟

 

ج:

أقولها بكل وضوح:

 

الحج شعيرة، وليس مزادًا.

 

وجواز المواطن ليس سلعة يتداولها الوسطاء.

 

ومقدم الحجز ليس خزينة مفتوحة لعمولات مجهولة.

 

والشركة السياحية المرخصة يجب أن تكون هي الطرف المسؤول أمام المواطن، لا أن تختفي خلف شبكة من الوسطاء.

 

أنا لا أطالب بإدانة أحد دون تحقيق، ولا أريد أن يُنظر إلى كل مندوب أو شركة باعتبارهم مخالفين؛ لكنني أطالب بأن تُفحص هذه الممارسات بجدية، وأن تكون هناك شفافية كاملة في مسار الجواز والأموال والقرعة.

 

لأن المواطن الذي يدخر من أجل الحج لا يبحث عن صفقة تجارية؛ هو يبحث عن فرصة لأداء فريضة.

 

ومن هنا يجب أن تكون الأولوية دائمًا: حماية الحاج، وحماية الشركة الجادة، وحماية سمعة منظومة الحج السياحي.

 

ونبرأ إلى الله من كل مسار تُستغل فيه مشاعر الناس وحاجتهم إلى أداء الفريضة لتحقيق مكاسب غير مشروعة.

 

الحج لا يُؤدَّى بوعد سمسار، ولا بإيصال مجهول، ولا بترتيبات خلف الكواليس؛ وإنما عبر تأشيرة نظامية وقنوات معتمدة وإجراءات واضحة تحفظ حق الجميع.

زر الذهاب إلى الأعلى