مرأة وصحة
بسمة برايا: قضية “طبيب الطيبات” تكشف الحاجة إلى مراجعة علمية شاملة لثقافة الغذاء والعلاج في مجتمعاتنا

حجم الخط:
أكدت خبيرة التغذية بسمة برايا أن الجدل الواسع الذي أثارته تجربة ما يُعرف بـ”طبيب الطيبات” يعكس حالة عميقة من التناقض بين تطلعات المجتمع نحو الشفاء الكامل، وبين حدود ما يتيحه العلم الطبي القائم على الأدلة، مشددة على أن هذه القضية يجب ألا تُختزل في صراع بين مؤيد ومعارض، بل ينبغي التعامل معها كفرصة لإعادة تقييم المنظومة الصحية والغذائية بشكل علمي ومنهجي.
وأوضحت بسمة برايا في تصريح لـها أن الطرح القائم على الربط بين الغذاء وصحة الإنسان ليس جديدًا، بل هو أحد الركائز الأساسية في علوم التغذية الحديثة، حيث تشير العديد من الدراسات إلى أن أنماط التغذية غير الصحية تلعب دورًا محوريًا في زيادة معدلات الأمراض المزمنة، مثل أمراض القلب والسكري واضطرابات الجهاز الهضمي، إلا أنها شددت في الوقت ذاته على أن تعميم فكرة أن جميع الأمراض يمكن علاجها عبر نظام غذائي واحد، أو الوصول إلى ما يسمى بـ”صفر دواء”، يتطلب حذرًا شديدًا، ولا يمكن اعتماده دون أدلة علمية موثقة ودراسات سريرية دقيقة.
وأضافت “برايا” أن التحدي الحقيقي لا يكمن في طرح أفكار جديدة، بل في كيفية اختبار هذه الأفكار وفق معايير البحث العلمي، مشيرة إلى أن أي نظام غذائي – مهما بدا منطقيًا أو حقق نتائج فردية إيجابية – يحتاج إلى تقييم شامل يشمل:
•دراسات مقارنة واسعة النطاق
•متابعة طويلة الأمد للحالات
•مراجعات علمية مستقلة
•نشر النتائج في مجلات علمية محكمة
وأكدت على أن المشكلة الأكبر تكمن في التأثير الجماهيري غير المنضبط، حيث قد يدفع الحماس بعض الأفراد إلى اتخاذ قرارات صحية خطيرة، مثل التوقف عن تناول الأدوية دون إشراف طبي، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة تهدد حياتهم، مشددة على أن التغذية العلاجية يجب أن تكون دائمًا جزءًا من منظومة متكاملة تشمل التشخيص الطبي والمتابعة المستمرة.
وفي سياق متصل، أشارت إلى أن حالة الانقسام المجتمعي التي صاحبت هذه التجربة تعكس تراجعًا نسبيًا في ثقة بعض الفئات بالمؤسسات الطبية، وهو ما يتطلب من هذه المؤسسات تطوير أدوات التواصل مع الجمهور، وتبسيط المعلومات العلمية، وتعزيز الشفافية، حتى لا تترك فراغًا يتم ملؤه بمصادر غير موثوقة.
كما لفتت إلى أن الانتقادات الموجهة لصناعات الغذاء والدواء يجب أن تُناقش بموضوعية، مؤكدة أن هناك بالفعل تحديات تتعلق بجودة بعض المنتجات الغذائية وانتشار الأطعمة المعالجة، لكن في المقابل لا يمكن إغفال الدور الحيوي الذي تلعبه الأدوية في إنقاذ ملايين الأرواح يوميًا، مما يستدعي تبني رؤية متوازنة لا تميل إلى التعميم أو التبسيط المخل.
وفيما يتعلق بالبعد الإنساني للقضية، أعربت عن تعاطفها مع مشاعر المتابعين الذين تأثروا بتجربة الطبيب الراحل، مؤكدة أن تحويل أي تجربة فردية إلى حالة رمزية يجب ألا يحجب أهمية التقييم العلمي الموضوعي، خاصة في القضايا التي تمس صحة الإنسان بشكل مباشر.
وأختتمت تصريحها بالتأكيد على أن الطريق الأمثل للتعامل مع مثل هذه القضايا يتمثل في فتح المجال أمام البحث العلمي الجاد لدراسة جميع الطروحات، سواء المؤيدة أو المعارضة، بهدف الوصول إلى نتائج واضحة تحسم الجدل، قائلة:
إن نحن لا نرفض الجديد، ولا نقبله دون دليل، بل نختبره بعقل علمي مسؤول.








