فن وثقافة

في زمنٍ يختنق بالدخان… سعيد الماروق يختار لقطة واحدة تنقذ الذاكرة: الأم… حين يصبح الحضن آخر وطن لا يُقصف

حجم الخط:

في بلدٍ تتناوب عليه الأزمات كأنها فصول لا تنتهي، حيث ينهض لبنان كل صباح على احتمال جديد للوجع، قرر سعيد الماروق أن يخرج عن نصّ الحرب، وأن يكتب مشهده الخاص بلغة لا تعرف الانفجار، بل تعرف الحنين، فالصورة التي جمعته بوالدته لم تكن مجرّد لحظة عائلية، بل بدت وكأنها موقف كامل، كأنها جملة معترضة وسط ضجيجٍ لا يُحتمل، تقول ببساطة إن هناك ما يستحق أن يُحفظ رغم كل شيء.

في تلك الابتسامة التي ارتسمت على وجه سعيد الماروق، لم يكن هناك أثر للمخرج الذي اعتاد أن يتحكّم بالصورة، بل كان هناك ابنٌ فقط، ابنٌ عاد إلى نقطة البداية، إلى تلك المساحة التي لا تُهددها السياسة، ولا تمسّها الفوضى، وكأن الصورة تهمس بأن الإنسان، مهما تعلّم كيف يواجه العالم، يبقى بحاجة إلى حضنٍ يعلّمه كيف ينجو منه.

والدته، التي جلست إلى جانبه بهدوءٍ يشبه السلام الذي نفتقده، بدت وكأنها تختصر حكاية لبنان نفسه، وجهٌ مرّ عليه الزمن، لكنه لم ينكسر، ملامح تعبٍ واضحة، لكن خلفها قوة لا تُرى بسهولة، كأنها صورة مصغّرة عن وطنٍ أنهكته الأزمات، لكنه ما زال يقاوم، لا بالصوت العالي، بل بالقدرة على البقاء.

 

في هذا المشهد، يتحوّل سعيد الماروق من صانع صور إلى شاهد على مرحلة، من مخرجٍ يوجّه الكاميرا إلى إنسانٍ يسلّم نفسه للحظة، وهذه النقلة ليست بسيطة، لأنها تكشف جانبًا لا يظهر كثيرًا، جانب الضعف الجميل، الجانب الذي يجعل من النجم شخصًا يشبه الناس، يشعر كما يشعرون، ويبحث عمّا يبحثون عنه: الأمان.

 

وسط الدمار الذي يلاحق تفاصيل الحياة اليومية في لبنان، تبدو هذه الصورة وكأنها مقاومة من نوع آخر، مقاومة ناعمة، لا ترفع شعارات، ولا تدخل في صراعات، لكنها تذكّر بأن هناك أشياء لا يمكن للحرب أن تنتزعها، أن الحب، حين يكون صادقًا، يصبح أقوى من أي خراب، وأن الأم، حين تكون حاضرة، تُعيد ترتيب العالم مهما اختلّ.

 

أن سعيد الماروق لم يحتج إلى خطاب طويل ليوصل فكرته، بل ترك للصورة أن تتكفّل بالمهمة، وكأن الصمت هنا كان موقفًا بحد ذاته، وكأن الرسالة واضحة: في زمنٍ يكثر فيه الكلام، تصبح اللحظة الصادقة هي الصوت الأعلى.

الجمهور، الذي يعيش نفس القلق ونفس الأسئلة، لم يرَ في هذه الصورة مجرد لحظة خاصة، بل وجد فيها انعكاسًا لحالته، لحنينه، لخوفه، ولحاجته إلى شيء ثابت في عالمٍ متقلّب، وهذا ما جعل التفاعل معها يتجاوز الإعجاب، ليصل إلى مستوى الشعور المشترك، وكأن الجميع اتفق، دون تنسيق، على أن هذه الصورة تُشبههم.

 

وفي قراءة أعمق، يمكن اعتبار هذه اللقطة نوعًا من إعادة تعريف الوطن، فحين تضيق الجغرافيا، وتتصدّع المدن، يصبح الوطن فكرة، إحساس، شخصًا، وربما هذا ما أراد سعيد الماروق أن يقوله دون أن يصرّح: أن الوطن، في لحظات الانكسار، قد يكون حضن أم، أو ابتسامة، أو ذاكرة لا تزال قادرة على الصمود.

 

و، لا يمكن التعامل مع هذه الصورة كمنشور عابر، لأنها ببساطة أكبر من ذلك، إنها شهادة حب في زمن الخوف، وتذكير بأن الحياة، رغم كل ما يُحاك ضدها، لا تزال تجد طريقها في أبسط التفاصيل، وربما لهذا السبب تحديدًا، بدت هذه اللقطة وكأنها أجمل ما قدّمه سعيد الماروق… لأنها لم تكن إخراجًا، بل كانت حقيقة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى