بوابة الصبر الهادئ

يمر الانسان في أيامه بتقلبات لا يمكن التنبؤ بها يعلو حيناً ويهبط أحياناً أخرى لكنه في كل مرة يعود ليكتشف أن الصبر هو الخيط الوحيد الذي يبقيه متماسكاً وسط هذا الضجيج فالصبر ليس ضعفاً ولا تراجعاً بل هو حكمة الروح حين تختار أن تمضي رغم التعب وأن تحافظ على قوتها مهما تكاثرت عليها الظروف وفي لحظات التعب الشديد يدرك الانسان أن صمته أبلغ من ألف كلمة وأن
انسحابه من بعض المعارك لا يعني الهزيمة بل يعني أنه عرف قيمة راحته وأنه لم يعد مضطراً لإرضاء من لا يرى جهده ولا يفهم قلبه وهنا يبدأ شيئاً داخله بالتغير وتتبدل نظرته للحياة ولمن حوله فيبدأ بتقدير التفاصيل الصغيرة التي كان يتجاوزها سابقاً ويتعلم أن العلاقات الحقيقية لا تحتاج إلى إثبات دائم ولا إلى ركض مستمر خلف من لا يراه وأن الاهتمام الذي يأتي بعفوية هو الوحيد الذي
يمنح القلب أمانه أما ما يُنتزع انتزاعاً فلا يدوم طويلاً ويتعلم أيضاً أن الأشخاص الذين يرحلون دون سبب لم يكونوا يوماً جزءاً من رحلته وأن الله حين يبعد شيئاً فهو يهيئ لما هو أصدق وأرحب
ومع هذا الفهم العميق يبدأ طريق الصبر الهادئ تتشكل خطواته بمرونة أكبر فلا يعود الانسان يحمل فوق طاقته ولا يعود يفسر كل كلمة ولا يمنح كل موقف وزناً زائداً بل يترك الأشياء تمضي
بطبيعتها ويترك الأيام تكشف له من يستحق البقاء ومن كان مجرد عابر في دروبه وفي صميم هذا الصبر تنضج الروح وتتعلم كيف تستند على الله لا على الناس وكيف ترى الخير في ما ظنته شراً وكيف تفهم الدروس التي خبأتها المواقف خلف صعوبتها فيشعر الانسان أن قلبه صار أوسع وأن ثقته بما كتبه الله أصبحت أعمق
وعند هذه المرحلة يبدأ الضوء في الظهور ليس ضوءاً صاخباً بل
نوراً هادئاً يشبه الفجر الذي يمحو ظلام الليل دون أن يحدث ضجيجاً نور يخبره أن ما ينتظره أفضل وأن ما حلم به سيأتي ولو بعد حين وأن الله لا ينسى دمعة صادقة ولا دعوة خرجت من قلب مرهق يصل الانسان إلى يقين ثابت أن الصبر ليس انتظاراً فقط بل هو طريقة عيش وأن من يصبر بصدق لا يخسر شيئاً وأن ما يرحل لم يكن خيراً له وما يبقى معه يحمل معنى يستحق الاحترام
ليواصل طريقه بقلب مطمئن وروح أكثر قوة وبوابة صبر هادئة تفتح له ما لم يكن يتوقعه








