لعبة الشطرنج الكبرى فى الشرق الأوسط كيف تتحول الحروب إلى أسواق وكيف تصبح الدول قطعًا على رقعة المصالح

فى عالم السياسة الدولية لا تتحرك الأحداث بالصدفة ولا تندلع الصراعات دائما بسبب خلافات مباشرة بين الدول فالتاريخ يعلمنا أن كثيرا من الحروب الكبرى كانت جزءًا من صراعات أوسع وأعمق بكثير من حدود الدول التى تشتعل فوق أراضيها
هناك مثل قديم يقول إن من الممكن أن تضرب عصفورين بحجر واحد لكن فى عالم الاقتصاد العالمى ورؤوس الأموال لا يتوقف الأمر عند عصفورين فهناك من يلقي الحجر ليصيب عشرات الأهداف فى لحظة واحدة
ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط يطرح هذا التساؤل بقوة فالصراع الذى يبدو ظاهريًا موجها ضد إيران قد لا يكون مجرد مواجهة تقليدية بين دولة وقوى دولية بل قد يكون جزءًا من لعبة جيوسياسية أكبر تتحرك فيها الدول كقطع على رقعة شطرنج واسعة
فى هذه الرقعة تبدو إيران أحيانًا وكأنها بيدق يتقدم فى مقدمة اللوحة بينما تتحرك القطع الكبرى خلفه فى صمت والهدف الحقيقى فى نظر بعض المحللين قد يكون أبعد بكثير من حدود الصراع المباشر
ففى عالم الاستراتيجيات الكبرى لا يكون الهدف دائمًا إسقاط الخصم القريب بل محاصرة القوة الأكبر فى نهاية اللعبة وهذا ما يجعل كثيرين يرون أن الصراع الدائر فى الشرق الأوسط قد يرتبط في عمقه بالتنافس العالمي مع القوة الصاعدة المتمثلة فى China
الهجمات العسكرية أو الضغوط السياسية التى تتعرض لها Iran تؤدي بلا شك إلى إضعاف قدراتها العسكرية والاقتصادية لكنها فى الوقت نفسه قد تفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيدًا فى المنطقة
فإذا تصاعد التوتر واندفعت إيران نحو مواجهة أوسع فقد تتحول دول الخليج إلى مسرح مباشر للصراع وهو ما يعني أن البنية التحتية الحيوية من موانئ ومصافي نفط ومدن صناعية قد تصبح أهدافًا محتملة في أي مواجهة إقليمية واسعة
عند هذه النقطة تبدأ مرحلة مختلفة من الحسابات فكلما ارتفع مستوى الخطر ارتفع معه الطلب على الحماية العسكرية وعلى أنظمة الدفاع وعلى صفقات التسليح الضخمة التي تبرم غالبًا مع الولايات المتحدة
وهنا تظهر الطبيعة الاقتصادية للحروب فالأزمات الأمنية تدفع الدول إلى إنفاق مليارات الدولارات على الأسلحة وأنظمة الدفاع والصواريخ ومنظومات الحماية المتطورة
التاريخ يقدم مثالًا واضحًا على ذلك فيما حدث خلال Gulf War حين خرج العراق من الحرب منهكًا ومدمرًا بينما اضطرت دول المنطقة إلى إنفاق مليارات إضافية لإعادة البناء وتعزيز منظومات الحماية والدفاع
فى تلك الفترة شهدت شركات السلاح العالمية طفرة هائلة فى الأرباح لأن الحروب فى النهاية لا تمثل فقط مأساة إنسانية بل تمثل أيضًا سوقًا ضخمة لصناعة السلاح التى تعد واحدة من أكبر الصناعات فى الاقتصاد العالمى
فالترسانات العسكرية التي يتم تصنيعها لا يمكن أن تبقى مخزنة إلى الأبد والصواريخ والقنابل لها عمر تقنى محدد ولهذا فإن اشتعال النزاعات يفتح المجال أمام استخدام تلك الأسلحة ثم استبدالها بصفقات جديدة بمليارات الدولارات
لكن وسط هذه الحسابات العسكرية والاقتصادية يبقى عنصر آخر بالغ الحساسية فى المعادلة وهو الجغرافيا
ففى قلب الخليج العربى يقع أحد أهم الممرات البحرية فى العالم وهو Strait of Hormuz ذلك الممر الضيق الذى تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية
أى اضطراب فى هذا المضيق يمكن أن يربك أسواق الطاقة العالمية وأن يرفع أسعار النفط والغاز إلى مستويات غير مسبوقة وهو ما يجعل السيطرة عليه أو حتى التهديد بإغلاقه ورقة استراتيجية شديدة التأثير فى الصراعات الدولية
وسط هذه اللوحة المعقدة تبقى الحقيقة الأكثر قسوة أن الضحايا الحقيقيين لأى صراع ليسوا صناع القرار ولا أصحاب الشركات العملاقة بل المدنيون العاديون الذين يجدون أنفسهم فى قلب العاصفة
الأطفال والنساء والعائلات التى تعيش بعيدًا عن غرف القرار هى التى تدفع الثمن الأكبر عندما تشتعل الحروب بينما تتحرك الأرقام والصفقات فى عالم آخر تحكمه المصالح والاقتصاد والسياسة
ولهذا يظل السؤال الذى يطرحه التاريخ فى كل مرحلة من مراحله حاضرًا بقوة
هل ما نشهده مجرد صراع سياسى تقليدى بين دول تتنافس على النفوذ أم أن هناك لعبة أكبر تتحرك خلف الستار حيث تتحول الدول إلى قطع على رقعة شطرنج دولية يتحكم بها لاعبون كبار
وفي نهاية المطاف يبقى السؤال الأهم مفتوحًا أمام العالم
هل من يتحركون على الرقعة هم من يصنعون قواعد اللعبة أم أنهم فى الحقيقة مجرد قطع تتحرك وفق حسابات أكبر منهم بكثير فى لعبة الأمم التى لا تنتهى.








