منوعات
نداء العوالم الخفية

حجم الخط:
في أعماق الوجود تمتد عوالم لا تراها العين لكنها تتحرك من حولنا كتيارات متشابكة تصنع أثقال الأيام وخفتها وتجعل الإنسان حائرا بين ما يدركه عقله وما يشعر به قلبه فهناك دائما قوة خفية تدفعنا نحو طرق لم نخطط لها وتفتح أمامنا أبوابا لم نتخيل أنها ستنفتح يوما وتغلق أخرى كأنها لم تكن موجودة من الأساس وفي هذا التداخل المستمر بين المعلوم والمجهول يجد الإنسان نفسه واقفا
عند حافة السؤال يبحث عن معنى يفسر كل تلك الأصوات التي تمر في داخله دون أن يعرف مصدرها وكأن الحياة تحاول أن تهمس له بأن ما يراه ليس سوى قشرة رقيقة تخفي تحتها طبقات لا تنتهي من الدهشة والخوف والجمال وأن ما نظنه نهاية قد يكون بداية وما نعتبره صدفة هو في الحقيقة جزء من خيط طويل يربط الأحداث ببعضها بترتيب أعقد مما نتصور وكلما ظن الإنسان أنه فهم
دورة الحياة عاد ليكتشف أنه ما زال واقفا عند أول الطريق لأن العوالم الخفية لا تكشف نفسها بسهولة فهي تختبر قدرة القلب على الصبر وقدرة الروح على التحمل ثم تمنح لحظات قصيرة من الفهم العميق الذي يشبه الضوء المفاجئ في ليلة مظلمة ذلك الضوء الذي يجعل الإنسان يرى شكله الحقيقي لحظة قبل أن يعود كل شيء إلى غموضه المعتاد ومع ذلك يواصل الإنسان السير لأنه يشعر بأن تلك
الومضات مهما كانت قصيرة فهي تكفي لتبقيه قادرا على المواصلة قادرا على مواجهة الفراغ الذي يبتلع كثيرين ممن لم يصغوا لذلك النداء الداخلي الذي ينبعث من أعماقهم مثل صدى قديم يتكرر دون أن يتوقف وفي هذا النداء تتشكل علاقة غريبة بين الإنسان والوجود علاقة لا تقوم على اليقين بل على الاستمرار على الإحساس بأن كل خطوة يخطوها في هذا العالم المرئي تسير إلى
جانب خطوات أخرى في عالم لا يراه وأن كل قرار يتخذه يرتجف صداه في مكان آخر لا يعرفه وأن حياته مهما بدت عادية فهي جزء من قصة أوسع منه بكثير قصة تبنيها قوى لا يمكن لمسها لكنها تشعر به وتضع في طريقه إشارات خفية تدله حين يضيع وتواسيه حين يسقط وتدفعه للوقوف من جديد لأن دوام السير هو الدرس الأهم الذي تتركه تلك العوالم في قلب كل إنسان يبحث عن نفسه وسط ضجيج الحياة وصمت المجهول








