الهلال الأحمر المصري وغزة حين تتحول السياسة إلى فعل سيادي إنساني يعيد رسم دور مصر إقليميا

في زمن ازدحام الشعارات وفراغ المواقف تفرض الدول الحقيقية نفسها بالفعل لا بالخطاب وبالتحمل لا بالمزايدة. ومن معبر رفح البري تواصل مصر تثبيت معادلة واضحة لا تقبل التأويل مفادها أن القضية الفلسطينية ليست ملفا طارئا ولا ورقة تفاوض بل التزاما تاريخيا تمارسه الدولة على الأرض مهما تغيرت الظروف ومهما ارتفعت كلفة الموقف
الهلال الأحمر المصري لم يعد مجرد مؤسسة إغاثية تؤدي دورا تقليديا في أوقات الأزمات بل أصبح أحد أهم أدوات الدولة المصرية في إدارة البعد الإنساني للصراع وتحويل القرار السياسي إلى ممارسة يومية لها أثر مباشر على حياة الناس. استقبال الدفعة الرابعة من جرحى ومصابي غزة وتوديع من تم شفاؤهم داخل المستشفيات المصرية يعكس نموذجا نادرا لدولة لا تكتفي بإدانة الألم بل تتحمل عبء معالجته
القافلة 132 زاد العزة من مصر إلى غزة ليست رقما عابرا في تسلسل المساعدات بل رسالة سياسية كاملة الأركان. مئات الآلاف من السلال الغذائية آلاف الأطنان من الدقيق والمستلزمات الطبية والوقود والخيام والملابس والدعم النفسي كلها تعبر عن رؤية مصرية تدرك أن معركة الوعي والكرامة لا تقل أهمية عن أي مسار سياسي أو دبلوماسي
زيارة الدكتور خالد عبدالغفار نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان إلى مراكز الخدمات الإنسانية التابعة للهلال الأحمر المصري في معبر رفح تؤكد أن ما يجري هناك يحظى بمتابعة مباشرة من أعلى مستويات الدولة. ليست زيارة بروتوكولية ولا لالتقاط الصور بل رسالة واضحة بأن الدولة المصرية تعتبر الملف الإنساني في غزة جزءا من أمنها القومي ومسؤوليتها الأخلاقية
ما يحدث على الحدود المصرية الفلسطينية يعكس فهما عميقا لمعنى السياسة في أزمنتها الصعبة. السياسة هنا ليست بيانات قلق ولا دعوات للاجتماع بل قدرة على الفعل وسط الفوضى وعلى التنظيم وسط الانهيار وعلى حماية الإنسان حين تتراجع القوانين الدولية عن دورها
في وقت أغلقت فيه أبواب كثيرة واكتفى فيه البعض بالمراقبة حافظت مصر على فتح معبر رفح من جانبها دون انقطاع وواصلت إدخال المساعدات التي تجاوزت ثمانمئة ألف طن بجهود أكثر من خمسة وستين ألف متطوع. هذه الأرقام ليست استعراضا بل شهادة على دولة قررت أن تتحمل العبء كاملا دون ضجيج
الهلال الأحمر المصري اليوم عنوان لسياسة دولة تعرف وزنها وتدرك دورها ولا تتخلى عن ثوابتها تحت ضغط اللحظة. من رفح لا تعبر المساعدات فقط بل تعبر رسالة مفادها أن مصر حين تختار موقفا تلتزم به حتى النهاية
في قلب واحدة من أعقد أزمات الإقليم تثبت القاهرة أن القوة الحقيقية لا تقاس بالسلاح وحده بل بالقدرة على إنقاذ الأرواح وحماية الكرامة وترجمة المواقف إلى أفعال. هكذا تكتب السياسة حين تتجسد في فعل إنساني مستمر لا يعرف التراجع ولا يقبل المساومة








