مقالات

جمال حسين يكتب : طلاق أوروبا وأمريكا في جزيرة البطاريق!

جمال حسين

بعد زواج كاثوليكى بلا طلاق بين أمريكا وأوروبا استمر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تم تتويجه بتأسيس حلف الناتو فى 4 أبريل 1949، تلوح الآن فى الأفق بوادر طلاق سياسى بين القارة العجوز والقطب الأعظم، والسبب طمع ترامب وإصراره على ضم جزيرة جرينلاند «أرض الثلج والبطاريق» التابعة لدولة الدنمارك والتى تبلغ مساحتها خُمس مساحة الولايات المتحدة الأمريكية. الشواهد تؤكد أن التحالف الأطلسى الذى حكم العالم عقوداً طويلة بدأ يتشقق من الداخل ويتصدع.. لم تعد واشنطن ترى فى أوروبا شريكاً استراتيجياً بل تابعاً يجب أن يدفع الفاتورة، ولم تعد أوروبا تثق فى حليف يبدل مواقفه مع كل انتخابات.

«ترامب» رغب فى إيقاف تمويل حلف الناتو وطالب الدول الأوروبية بدفع تكاليف الحماية التى توفرها لهم أمريكا وهدد أوروبا والصين وروسيا من جرينلاند، وقال إنه سيأخذ الجزيرة بالطريقة الصعبة أو الطريقة السهلة، السؤال ما كينونة هذه الجزيرة التى يصر ترامب على ضمها؟

هى أكبر جزيرة فى العالم تتميز بموقع استراتيجى بين أوروبا والولايات المتحدة، حيث تقع شمال شرق أمريكا الشمالية بين المحيط المتجمد الشمالى والمحيط الأطلسى، وتتبع الدنمارك سياسياً وتتمتع بالحكم الذاتى، وتحدها كندا من الغرب وأيسلندا من الجنوب الشرقى، يبلغ عدد سكانها 57 ألف نسمة وتتميز بانتشار الجليد والبطاريق.. 67% من أراضيها داخل القطب الشمالى، الذى يشهد نشاطاً عسكرياً صينياً وروسياً وأمريكياً.. تطل بشكل مباشر على طرق التجارة الرئيسية فى شمال المحيط الأطلنطى، وفيها كميات ضخمة من الموارد الطبيعية تقدر قيمتها بـ4٫4 تريليون دولار..

ترامب يدرك أن سيطرته على الجزيرة تعنى تفوقاً استراتيجياً أمريكياً، والقدرة على منع السفن الروسية والصينية من دخول القطب الشمالى، وهذا جزء من حرب مفتوحة للسيطرة على الممرات البحرية والموارد الطبيعية. لم يدرك ترامب الذى طلب من جيشه وضع خطة عسكرية لغزو الجزيرة أنه خاطر بإغضاب أوروبا وتفتيت حلف الناتو، لأن جرينلاند جزء من الدنمارك ولم يدرك أنه بفعلته هذه قد يقلب الطاولة على الجميع!! وعندما أبلغوه أن أوروبا غاضبة وأن فرنسا وألمانيا أرسلتا قوات إلى جرينلاند قال وإيه يعنى «هناخد الجزيرة يعنى هناخدها»، هنا خلع الحلفاء الأوروبيون ثوب الطاعة وقرروا رد الصاع صاعين لأمريكا.. الجيش الفرنسى والجيش الألمانى أعلنا التحدى فى جرينلاند.. ماكرون قال إن أمريكا تتخلى عن ثوابتها ومبادئها، وإن ترامب عندما رفع الرسوم على السلع الأوروبية والصينية وضع كل الصناعات الأوروبية فى حالة موت سريرى.. ماكرون سافر إلى الصين ووقع اتفاقية وأقنع حلفاءه الأوروبيين أن أول خطوة للطلاق من أمريكا هى إعلان «الخطوبة» مع الصين، وبعد أن يوقعوا العقود ويرفعوا الشراكة التجارية إلى تريليون دولار يرسلون الأوراق للمأذون لكتب الكتاب.. الأوروبيون أدركوا أن حبال الود قد انقطعت فعلياً بين أمريكا وأوروبا، ورد المستشار الألمانى بأن أوروبا خرجت من تحت الهيمنة الأمريكية وستعتمد على قدراتها وقوتها.

بات من الواضح تماماً أن ترامب لا يرغب فى أوروبا قوية وموحدة، وإنما يريد القارة العجوز كياناً ضعيفاً مشتتاً.. يريد منع أوروبا من أن تصبح قوة جيوسياسية قادرة على منافسة الولايات المتحدة، رغم قوتها الاقتصادية الكبيرة وحجم سكانها البالغ نحو 500 مليون نسمة، ويتمناها كياناً ضعيفاً مشتتاً يسهل التعامل مع أجزائه.

أوروبا بدأت تستفيق من الوهم لأول مرة منذ الحرب العالمية، وبدأت تدرك أن الاعتماد الكامل على واشنطن خطر استراتيجى.. وأن واشنطن لم تعد شريكاً بل تاجر حماية، لذلك بدأ الحديث يتصاعد جدياً عن جيش أوروبى مستقل، مع دعوات للسيادة الاستراتيجية وتململ من قيادة واشنطن ومحاولات كسر التبعية، أوروبا بدأت تفهم الحقيقة المؤلمة فالحليف الأمريكى متقلب.. والمصالح عنده أهم من أى تحالف. فما نشهده اليوم ليس خلافاً سياسياً بل زلزال فى النظام العالمى، نهاية مرحلة وبداية عالم متعدد الأقطاب.. أمريكا لم تعد قائدة للعالم، وأوروبا لم تعد حليفاً مؤتمناً، الأيام القادمة قد تشهد أكبر تحول فى العلاقات الدولية منذ الحرب الباردة. ملف جزيرة جرينلاند قلب المعادلة بالكامل. وسياسات دونالد ترامب دفعت قادة أوروبيين إلى الحديث صراحة عن «انفصال استراتيجى» بات أقرب إلى الواقع.

والسؤال هل تتلقى أمريكا أكبر صفعة من دول كانت تعتبرها فى جيبها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى