مقالات

عبد الحي عطوان يكتب: رسوم الجمارك على الهاتف المحمول… قرار يفتح أبواب القلق وأسئلة لا تحتمل التأجيل

أثار قرار رئيس مصلحة الجمارك بتحصيل رسوم على الهاتف المحمول الشخصي الوارد مع القادمين من الخارج سواء من المغتربين أو الحجاج والمعتمرين أو في إطار الاستعمال الشخصي أو الهدايا للأقارب عاصفة من الجدل داخل مصر وعلى مستوى الوطن العربي، بعدما تحول من إجراء إداري إلى قضية رأي عام تمس ملايين الأسر.
وقد زاد من حساسية المشهد تناول بعض القنوات المعادية للقرار ومحاولات استثماره سياسيًا واقتصاديًا، وصولًا إلى الدعوة لوقف تحويلات المصريين بالخارج التي تتجاوز 40 مليار دولار سنويًا، في توقيت بالغ الدقة تمر به المنطقة.
ورغم تأكيد مسؤولي الجمارك أن التحصيل لن يتم بأثر رجعي، فإن ذلك لم ينجح في تهدئة الغضب الشعبي، بل فتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات جوهرية: كيف تُصنع هذه القرارات؟ وهل تخضع لدراسات وافية تقيس آثارها الاقتصادية والاجتماعية قبل الإعلان عنها؟ أم أن هاجس تعظيم الإيرادات أصبح يتقدم على حسابات الثقة المجتمعية والاستقرار العام؟ وهل بات المواطن – في الداخل والخارج – هو الملاذ الأسهل لسد عجز الموازنة ومواجهة أعباء الديون دون تمهيد أو حوار واضح وصريح؟
وتتضاعف خطورة هذه التساؤلات في ظل المناخ الإقليمي المضطرب ومحاولات استقطاب الشباب وبث الإحباط والتشكيك في مؤسسات الدولة، الأمر الذي يجعل من توقيت القرارات الاقتصادية عاملًا لا يقل أهمية عن مضمونها. فغياب الشرح المسبق والتواصل الفعّال مع الرأي العام يخلق فراغًا سرعان ما تملؤه الشائعات والتأويلات، وهو ما يهدد بتآكل جسور الثقة التي تحتاجها أي دولة لعبور أزماتها.
كما أعاد الجدل الراهن تسليط الضوء على الدور الرقابي لمجلس النواب، بوصفه خط الدفاع الأول عن مصالح المواطنين، والجهة المنوط بها مناقشة السياسات العامة ومساءلة الحكومة عند الضرورة. وهنا اتذكر تجارب تشريعية سابقة سيئة وإثارت موجة سخط كبيرة على رأسها قانون التصالح وقانون الايجار القديم، وقانون الأحوال المدنيه، وقانون الإجراءات الجنائية،
وهنا لابد أن يعى الجميع أن ضعف الحوار المجتمعي حول بعض القوانين ساهم في تعميق الفجوة بين المواطن وصانع القرار، وهو ما يفرض اليوم مراجعة جادة لآليات التشريع، والانفتاح بصورة أكبر على الخبراء والرأي العام قبل إقرار إجراءات تمس الحياة اليومية للملايين.
وختاماً.. فإن ما يطالب به المواطنون لا يقتصر على الاعتراض أو الرفض، بل يتمثل في نهج مختلف لصناعة القرار: دراسة معمقة، وتقدير دقيق للتوقيت، وشفافية في الشرح، وحوار صادق مع المجتمع فى ظل حكومة تمثل الشعب لا حكومة جباية تفتش فى جيوب الناس وتعتبر المواطن هو الصيد الاسهل فى سد عجز الموازنهة
وفى النهاية ..بناء الأوطان لا يقوم على تحميل فئة بعينها أعباء متراكمة، بل على توزيع عادل للمسؤوليات، وإشراك الجميع في فهم التحديات ومواجهتها، حفاظًا على الاستقرار الوطني، وصونًا للتماسك الاجتماعي، وترسيخًا لقناعة راسخة بأن الدولة تعمل من أجل كل أبنائها لا لصالح قلة دون غيرها.
زر الذهاب إلى الأعلى