
حجم الخط:
في عالم تسوده المتغيرات لا تخلو صفحات البشر من فصول قاسية نطلق عليها الابتلاءات يراها البعض نهاية الطريق ويراها اخرون مجرد مخاض لولادة ذات جديدة اكثر صلابة لكن السؤال الذي يطرح نفسه وسط ركام الازمات هو كيف يمكن للانسان ان يحول حطام نفسه الى احجار يبني بها صرحا من العطاء وكيف تتحول الطاقة الكامنة في الالم من معول هدم الى قوة بناء وتغيير ان الابتلاء في جوهره ليس عقوبة بل هو اختبار كفاءة للمعدن الانساني حيث يجمع خبراء النفس والاجتماع على ان الازمات الكبرى تعمل كعملية صنفرة للشخصية فهي تزيل القشور الزائفة والاهتمامات الهامشية وتضع الانسان وجها لوجه امام جوهره الحقيقي وتحول الابتلاء الى عطاء يبدأ من لحظة الادراك حين يتوقف المرء عن سؤال لماذا انا ويبدأ في التساؤل ماذا بعد وهنا يتفجر العطاء فالمعاناة تمنح صاحبها سلطة اخلاقية وقدرة فريدة على فهم الام الاخرين مما يحول المبتلى الى ملهم والمجروح الى معالج وتمثل العواطف الناتجة عن الابتلاء من حزن وغضب وقلق شحنات طاقة هائلة فإذا بقيت حبيسة النفس تحولت الى امراض عضوية او اكتئاب حاد وهي طاقة هدم اما اذا جرى توجيهها فانها تصبح وقودا لا ينفد للانجاز وتبرز هنا قوة التسامي وهي قدرة النفس على تحويل الدوافع السلبية الى اعمال ابداعية او انسانية فالرسام الذي يفرغ حزنه في لوحة والباحث الذي يدفعه فقدان عزيز بمرض ما الى اكتشاف علاج كلاهما حول الهدم الى بناء من خلال البحث عن المعنى الذي يحول الصبر من حالة استسلام سلبية الى حالة بناء ايجابية ولا يتوقف اثر هذا التحول على الفرد فحسب بل يمتد للمجتمع فاعظم المؤسسات الخيرية والمبادرات الانسانية في العالم ولدت من رحم معاناة شخصية فعندما يقرر الانسان ان يحمي الاخرين من تذوق المرارة التي تذوقها فانه يحول ابتلاءه الخاص الى مظلة عامة تحمي المجتمع ان الابتلاء هو طاقة خام تشبه طاقة الرياح العاتية اما ان تقتلع الاشجار او تدير الطواحين لتوليد النور واستغلال الطاقة الكامنة في انفسنا يتطلب شجاعة للاعتراف بالالم وحكمة لتوجيهه وايمانا بان كل انكسار هو في الحقيقة فرصة لمرور الضوء الى الداخل وفي النهاية نحن لا نختار الابتلاءات التي تواجهنا لكننا نملك كامل الحرية في اختيار رد الفعل فاجعل من انكسارك بداية لترميم العالم من حولك.








