مقالات

فريد عبد الوارث يكتب: النيل واجهة… والرهان الحقيقي كبح الدور المصري

حجم الخط:

لم تكن رسالة دونالد ترامب حول ملف النيل تحركًا دبلوماسيًا عابرًا، ولا محاولة تقليدية لإحياء مسار تفاوضي متعثر فقراءة الرسالة بمعزل عن التطورات المتسارعة في باب المندب والقرن الأفريقي، وحالة الاستنفار العسكري الإقليمي والدولي تقود إلى فهم قاصر للمشهد، أما ربط البر بالبحر والجو فيكشف بوضوح أننا أمام محاولة لإعادة ضبط إيقاع الصراع لا لإنهائه بعدما تجاوزت القاهرة حدود الدور الذي أُريد لها سابقًا.

عودة ترامب إلى ملف النيل لا تعكس نضوج ظروف الحل بل تعكس تغير الواقع ضد واشنطن وحلفائها فالتحولات الميدانية والتحالفات الجديدة أفرغت أدوات الضغط القديمة من مضمونها ولم يعد ملف النيل منفصلًا عن البحر الأحمر، ولا سد النهضة معزولًا عن الصراع على النفوذ في شرق أفريقيا.
في باب المندب، لم تعد المنطقة فراغًا يمكن ملؤه عند الحاجة التحركات المصرية–السعودية– التركية تجاوزت مرحلة التنسيق السياسي والبيانات الدبلوماسية إلى حضور عسكري فعلي، وانتشار بحري وجوي فرض معادلات ردع جديدة في هذا السياق، بات أي تصور لوجود إسرائيلي في الصومال أو محيطه مهددًا قبل أن يكتمل، وأصبح فرض الأمر الواقع أكثر كلفة وتعقيدًا.
أما القرن الأفريقي، فقد بدأ الخروج من العباءة الأميركية إثيوبيا لم تعد أداة مضمونة النتائج، والإمارات لم تعد قادرة على إدارة الملف منفردة، فيما فقدت إسرائيل القدرة على فرض نفوذ بحري في ظل تكتل إقليمي متماسك يعيد رسم خريطة السيطرة والمصالح.
وفي الجنوب، لم يعد السودان ملفًا مؤجلًا أو ساحة قابلة للإدارة عن بُعد استقراره تحوّل إلى ركيزة أساسية في معادلة الأمن القومي المصري وحسم هذا الملف لم يعد خيارًا سياسيًا بل ضرورة استراتيجية، لأن تركه للفوضى يعني استمرار مشروع عدم الاستقرار الممتد من دارفور إلى باب المندب، وهو مشروع يتقاطع مباشرة مع مصالح قوى دولية وإقليمية معادية.
تأتي هذه التطورات في لحظة حرجة تعيشها الولايات المتحدة نفسها تصعيد متواصل مع إيران، قلق متزايد من الصين وتايوان، إنهاك أوروبي صامت، وتشظٍ واضح في مسارح العمليات العالمية و في ظل هذا الضغط المركب، لا تملك واشنطن القدرة على فتح جبهة إقليمية مستقلة في البحر الأحمر تقودها قوى صاعدة خارج السيطرة التقليدية.
من هنا، تعود الولايات المتحدة إلى ملف النيل باعتباره الورقة الأخيرة المتبقية للضغط على مصر ورغم اللغة الناعمة التي تتحدث عن العدالة والشفافية وضمان الحقوق ومنع الاحتكار، فإن جوهر الرسالة يدعو عمليًا إلى تجميد الملفات الأكثر سخونة، وفصلها عن بعضها، وإعادة القاهرة إلى طاولة تفاوض طويلة بلا سقف زمني واضح.
لكن الحسابات لم تعد كما كانت مصر التي تُخاطَب اليوم ليست مصر الأمس، هي دولة تتحرك بالفعل لا بالتصريحات، وترى البحر الأحمر عمقًا استراتيجيًا لا مجرد ممر تجاري، وتعتبر أمن السودان جزءًا لا يتجزأ من أمنها القومي، وتدرك أن أي صدام إقليمي واسع سيحوّل السيطرة على المضايق البحرية إلى مسألة وجود.
وسط هذا التعقيد، يبرز عامل حاسم لا يمكن تجاهله : ذكاء القيادة السياسية المصرية وقوة إدارتها للملف، فالقاهرة لم تنجرف إلى ردود فعل انفعالية، ولم تُستدرج إلى معارك دبلوماسية جانبية، بل أدارت الأزمة بعقل بارد ونَفَس طويل، جمعت بين ضبط الخطاب السياسي، وبناء القوة على الأرض، وتوسيع شبكة التحالفات الإقليمية بهدوء ودون ضجيج، ما أربك الخصوم وقلّص قدرتهم على توقع الخطوة التالية.
إدارة الملف المصرية أثبتت أنها لا تتحرك برد الفعل، بل وفق رؤية استراتيجية شاملة، تُراكم أوراق القوة تدريجيًا وتفتح مسارات متعددة دون التفريط في الثوابت أو حرق الجسور وبينما انشغل الآخرون بالضغوط الإعلامية والمناورات السطحية، كانت القاهرة تعيد تشكيل البيئة المحيطة بالأزمة، وتفرض معادلة تجعل أي تسوية مستقبلية مشروطة بمصالحها وأمنها القومي، لا بإملاءات الخارج.
لهذا السبب تحديدًا، لم يعد ممكنًا تحييد مصر بورقة النيل ولا استدراجها بوساطات مفتوحة، ولا إخافتها بسيناريوهات التصعيد الرسالة الأميركية، في جوهرها، ليست مبادرة سلام، بل اعتراف متأخر بأن القاهرة خرجت من مربع الاحتواء التقليدي.
المرحلة المقبلة ليست موسم تصريحات ولا جولات تفاوض شكلية، بل مرحلة تثبيت واقع إقليمي جديد، فمن يسيطر على باب المندب لا يُساوَم على النيل، ومن يفرض توازنًا في القرن الأفريقي لا يُستدرج إلى طاولات الإلهاء.
في هذه اللحظة الفاصلة، تثبت قيادة مصر أنها لا تدير الأزمات فقط، بل تصنع التاريخ بعقل الدولة وثبات القوة، وتعيد رسم حدود الدور المصري بما يليق بثقلها ومكانتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى