اخبار مصراهم الاخبار

رسالة ترمب إلى السيسي تدويل أزمة سد النهضة واعتراف بمركزية الدور المصري

حجم الخط:

في السياسة لا تأتي الرسائل الرئاسية مصادفة ولا تُنشر على العلن دون حسابات دقيقة. حين يختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن يكشف عن خطابه الموجّه إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن سد النهضة فهو لا يبعث بمجرد كلمات مجاملة دبلوماسية بل يطلق إشارة استراتيجية بأن الأزمة خرجت من نطاقها الإقليمي الضيق ودخلت رسميًا دائرة الاهتمام الدولي الوازن.

جوهر الرسالة الأميركية يقوم على ثلاث ركائز واضحة: ضرورة حماية دولتي المصب رفض الإضرار بالأمن المائي المصري والسوداني والاستعداد لوساطة تقود إلى حل شامل. هذه الركائز تمثل في حقيقتها تبنيًا ضمنيًا للرؤية المصرية التي طالما أكدت أن النيل ليس مجالًا للمغامرة السياسية ولا ورقة ضغط تفاوضية بل شريان حياة لأمة كاملة.
الأكثر عمقًا أن ترمب لم يطرح وساطة تقليدية بل قدّم تصورًا اقتصاديًا لتحويل النزاع إلى شراكة عبر تسويق الكهرباء الإثيوبية لمصر والسودان. هذا الطرح يكشف أن واشنطن تدرك أن مفتاح الحل ليس في السد ذاته بل في خلق شبكة مصالح تجعل الصدام مكلفًا للجميع والتوافق أكثر ربحًا من التعنت.
بالنسبة للقاهرة فإن هذه الرسالة تمثل تتويجًا لمسار طويل من الدبلوماسية الصبورة التي قادها الرئيس السيسي بثبات. مصر لم تنجر إلى التصعيد رغم الاستفزازات ولم تتخل عن حقها رغم ضغوط الواقع بل بنت موقفًا قانونيًا وسياسيًا متماسكًا حتى أصبح العالم مضطرًا للاعتراف بعدالة مطالبها.
أما إثيوبيا فتجد نفسها أمام مرحلة جديدة لم تعد فيها قادرة على إدارة الملف بمنطق الأمر الواقع. دخول الولايات المتحدة على خط الوساطة يعني أن أي خطوة أحادية ستُقرأ دوليًا باعتبارها تهديدًا للاستقرار الإقليمي وهو ما يضع أديس أبابا أمام اختبار النضج السياسي الحقيقي.
الرسالة الأميركية في عمقها اعتراف بمكانة مصر كرقم صعب في معادلة الأمن الإقليمي وكدولة تعرف كيف تدير الأزمات بعقل الدولة لا بعاطفة اللحظة. وهي أيضًا إعلان أن زمن تجاهل المخاوف المصرية قد انتهى وأن الحلول المقبلة لا يمكن أن تُصاغ إلا من بوابة القاهرة.
سد النهضة لم يعد مجرد مشروع هندسي بل تحول إلى ساحة اختبار لإرادات الدول. وفي هذا الاختبار تثبت مصر بقيادة السيسي أنها تفاوض بقوة وتتمسك بحقها بثقة وتقرأ المشهد بعيون استراتيجية لا تخطئ الاتجاه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى