شئون دولية

على حافة الهاوية النووية… حين تتحرك الغواصات وتختبر السياسة حدود القوة

حجم الخط:

في لحظة دولية مشحونة بالتصعيد وسوء التقدير يعود شبح الردع النووي ليطل برأسه من أعماق البحار لا عبر البيانات الدبلوماسية بل عبر حركة غواصة نووية عملاقة تقرأ رسائلها قبل أن تعلن فحين تتحرك أدوات الردع الاستراتيجي لا يكون الهدف حماية ناقلات نفط فحسب بل إعادة رسم خطوط الاشتباك السياسي والنفسي بين القوى الكبرى

إن تداول أنباء عن تحرك الغواصة الروسية بيلجورود بغض النظر عن درجة التحقق يكشف حقيقة أعمق العالم لم يغادر بعد منطق سياسة حافة الهاوية فروسيا التي تواجه ضغوطا غير مسبوقة على صادراتها النفطية ومساراتها البحرية ترى في البحر ساحة سيادة لا تقبل الاختبار وفي أي احتجاز أو تضييق على ناقلاتها مساسا مباشرا بهيبة الدولة وقدرتها على الرد
في المقابل تتعامل الولايات المتحدة وحلفاؤها مع ملف أسطول الظل والعقوبات بوصفه أداة قانونية واقتصادية لكنهم يغفلون أو يتغافلون عن أن الضغط حين يلامس شرايين الطاقة يتحول سريعا إلى مسألة أمن قومي للطرف الآخر هنا تتقاطع الحسابات اقتصاد مقابل سيادة قانون دولي مقابل ردع استراتيجي
ليست بيلجورود مجرد غواصة بل رمز لعقيدة أمنية ترى أن الردع لا يدار بالتصريحات بل بالإيحاء المدروس الحديث عن قدرات من طراز بوسيدون سواء كانت محملة أم لا يكفي لرفع منسوب القلق لأن الرسالة الأساسية واحدة أي محاولة لفرض وقائع بالقوة ستقابل بخيارات مفتوحة على أقصى الاحتمالات
الخطر الحقيقي لا يكمن في استخدام السلاح بل في اعتياد التلويح به حين تصبح الإشارات النووية جزءا من السجال السياسي اليومي تتآكل المسافات الآمنة بين الردع والانفلات وحين تدار الأزمات البحرية بعقلية الاستعراض لا بعقلية الاحتواء يصبح الخطأ الصغير مرشحا للتحول إلى كارثة كبرى
إن ما يجري اليوم يختبر قدرة النظام الدولي على ضبط الصراع قبل أن يتجاوز نقطة اللاعودة فإما أن تعاد السياسة إلى طاولة التفاوض وتفصل الملفات الاقتصادية عن الحسابات العسكرية أو يستمر الانزلاق نحو عالم تدار فيه الأزمات من تحت الماء حيث لا تسمع التحذيرات إلا بعد فوات الأوان
في النهاية الرسالة الأوضح ليست في تحرك غواصة أو حماية ناقلة بل في سؤال أكبر هل لا يزال العالم قادرا على إدارة صراعاته بعقل الدولة أم أنه يتركها تنجرف نحو منطق القوة العارية الإجابة حتى الآن لا تبعث على الاطمئنان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى