مقالات

فريد عبد الوارث يكتب: العاصفة الكبرى .. صراع الطاقة وإعادة رسم موازين القوة

حجم الخط:

لم تعد التحركات الدولية الأخيرة أحداثًا متفرقة يمكن قراءتها بمعزل عن بعضها بل بات واضحًا أن العالم يقترب من مرحلة صدام كبرى عنوانها الحقيقي النفط و خطوط الإمداد وممرات الملاحة الدولية.

فالولايات المتحدة وفق مؤشرات متراكمة انتقلت من إدارة الأزمات إلى مرحلة الإعداد المسبق لمواجهة شاملة بدأت بتأمين بدائل نفطية تضمن لها تقليل الخسائر المحتملة في حال اندلاع حرب واسعة في الخليج.
في هذا السياق، يتغير الخطاب الأمريكي جذريًا وتسقط المجاملات السياسية حين تصبح المصالح الاستراتيجية على المحك فالهدف الأبرز لواشنطن في المرحلة القادمة يتمثل في تقويض قدرة الصين على الوصول إلى مصادر الطاقة، باعتبار النفط الركيزة الأساسية لنموها الاقتصادي واستمرار صعودها العالمي.
تعتمد الصين على الشرق الأوسط لتأمين ما يقارب نصف احتياجاتها النفطية، تمر عبر ممرات بحرية شديدة الحساسية في مقدمتها مضيق هرمز وباب المندب وتأتي هذه الإمدادات من السعودية والعراق والإمارات وسلطنة عُمان، إضافة إلى إيران بطرق غير مباشرة و أي اضطراب في هذه الشرايين الحيوية يعني شلّ الاقتصاد الصيني أو إبطاءه بشكل حاد.
وتشير التقديرات إلى أن نقطة الاشتعال الأولى قد تكون الساحة الإيرانية عبر إثارة اضطرابات داخلية تتطور إلى مواجهة عسكرية بدعم أمريكي مباشر، تحت عناوين تغيير النظام أو إظهار التضامن مع الاحتجاجات الشعبية وما جرى مؤخرًا في أمريكا اللاتينية لا يمكن فصله عن هذه الرسائل الموجهة بوضوح إلى طهران وقيادتها.
في الجنوب يبرز اليمن كمسرح صراع محوري تتداخل فيه أدوار إقليمية متعددة ليصبح باب المندب أداة ضغط استراتيجية و إغلاق هذا الممر لا يعني فقط خنق السعودية اقتصاديًا، بل يستهدف أيضًا إنهاك مصر عبر تعطيل الملاحة في قناة السويس، أحد أهم شرايين التجارة العالمية.
وفي حال تعذّر تعطيل باب المندب لأي سبب تبقى قناة السويس المنفذ الأخير أمام الصين ما قد يدفع الولايات المتحدة إلى البحث عن ذرائع ووسائل غير مباشرة للهيمنة عليها أو تحييد دورها.
عامل الوقت هنا بالغ الخطورة؛ فكل تأخير من الصين أو إيران في الانتقال من موقع ردّ الفعل إلى موقع المبادرة سيضاعف كلفة المواجهة المقبلة وقد تجد بكين نفسها مضطرة إلى فتح جبهة تايوان و جرّ واشنطن إلى صدام مباشر في بحر الصين الجنوبي كخيار استراتيجي استباقي قبل اكتمال الطوق الاقتصادي و الجيوسياسي حولها.
في ضوء هذه التطورات تصبح المملكة العربية السعودية أمام مسؤولية تاريخية لا تقبل التردد، عبر تنسيق عميق مع مصر و السودان باعتبارهما ساحات الاشتباك الحقيقية إلى جانب السعي لتفاهمات إقليمية حتى مع الخصوم، لدرء خطر أشمل يهدد الجميع.
من لا يتحرك اليوم بإرادته سيُجبر غدًا على التحرك في أسوأ الظروف وبأعلى كلفة وعلى أرض يختارها خصومه لا هو و لقد استوعبت بعض القوى الكبرى الدرس جيدًا ويبقى التحدي في الانتقال من الفهم إلى الفعل.
لقد حُذِّر الغارقون في سباتهم من قبل من أن الرياح قادمة بما لا تشتهي السفن وأن النجاة لا تكون إلا بنبذ الخلافات وتوحيد الصفوف.
ما زالت نافذة الفرصة مفتوحة و إن كانت تضيق سريعًا فلم نعد نمتلك رفاهية تضييع الوقت أمام أخطار تدق الأبواب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى