اخبار مصر

الهيئة العربية للتصنيع وعودة مصر إلى قلب الصناعات الثقيلة

حجم الخط:

وسط سباق عالمي محموم على التكنولوجيا العسكرية والصناعية تكشف الهيئة العربية للتصنيع عن واحدة من أهم التحولات الاستراتيجية التي تشهدها الدولة المصرية في العقد الأخير تحولات ليست مجرد خطوط إنتاج أو تحديثات تقنية بل إعادة تأسيس لدور مصر كقوة صناعية إقليمية تمتلك قرارها وتبني قدراتها بيدها
الحوار الذي أدلى به اللواء أركان حرب المهندس مختار عبد اللطيف رئيس الهيئة العربية للتصنيع لم يكن حديثا تقنيا بقدر ما كان كشف حساب سياسي وصناعي لدولة قررت أن تعود إلى موقعها الطبيعي دولة تصنع السلاح وتنتج الطائرات وتطور المسيرات ولا تكتفي بالشراء والاستهلاك
فالهيئة التي ولدت عام 1975 كمشروع عربي مشترك ثم استمرت بإدارة مصرية كاملة بعد 1979 لم تتوقف عن التوسع من اربعة مصانع الى 14 شركة ومصنعا بين عسكري ومدني بل اصبحت المؤسسة الوحيدة في مصر التي تدخل فعليا في صناعة الطائرات وهو ما يعكس حجم الرهان الوطني على هذا القطاع الاستراتيجي
الحديث عن تطوير السلاح داخل الهيئة لم يكن عن استيراد خبرات جاهزة بل عن منظومة بحثية وانسانية كاملة مهندسون وفنيون بمعايير عالمية تدريب بالخارج تعاون مع اجهزة القوات المسلحة تركيز على الكفاءة البشرية لان الصناعات العسكرية ليست مجرد معدات بل عقل وفلسفة وقدرة على الابتكار
ثم يأتي الملف الطبي ليكشف وجها آخر للدولة التي تبني للداخل كما تبني للدفاع مدينة طبية صناعية كاملة صناعة شرائح ومسامير مفاصل صناعية سرنجات آمنة للمرة الاولى في مصر خيوط جراحية أجهزة رنين مقطعية علاج أورام كل ذلك بتعاون دولي لكن بسيادة إنتاج محلي هدفه تقليل الاستيراد وتوطين التكنولوجيا
وفي النقل والطاقة تقدم الهيئة قصة نجاح أخرى مصنع سيماف شراكة مع كوريا خطوط مترو وسكك حديد طاقة شمسية ومشاريع كبرى وصولا لخطة إنتاج ألواح شمسية بطاقة واحد جيجاوات لتلبية احتياجات مصر ودول افريقية وهي خطوة تجعل مصر منافسا حقيقيا في سوق الطاقة المتجددة لا مجرد مستهلك
الهيئة لا تعمل داخل جدرانها فقط فهي حاضرة في الإلكترونيات انتاج شاشات وموبايلات وكاميرات وتعاون مع القطاع الخاص لتوطين صناعة إلكترونية كاملة وفي السيارات تصنيع سيتروين وشراكات متعددة وصولا لصناعة اللوحات المعدنية لمنظومة المرور المصرية
لكن الحدث الأبرز يبقى المشاركة في معرض إيديكس حيث ظهرت مصر بوجهها الحقيقي 74 منتجا عسكريا 34 منها يعرض للمرة الاولى عربات مدرعة طائرات دون طيار منظومات اعاقة ومجابهة مقذوفات وصواريخ مكونات دفاعية والجديد الاهم ان هذه الصناعات لم تعد مجرد عرض بل أصبحت خطوط إنتاج مستقرة
ثم نصل الى عنوان اللحظة الاستراتيجية تصنيع أجزاء من طائرة رافال داخل مصانع الهيئة لأول مرة وباعتماد رسمي من شركة داسو الفرنسية وهو تحول سياسي قبل أن يكون صناعيا اعتماد دولي بأن مصر لم تعد متلقية للتكنولوجيا بل شريكا في سلاسل الإمداد العالمية لصناعة الطائرات المقاتلة
هذا التطور يحمل رسالة واضحة ان الدولة المصرية تبني قوتها بيدها وان صناعاتها الدفاعية والمدنية تتحرك في خط واحد نحو السيادة والكفاءة والقدرة على المنافسة وأن المستقبل لن يكون لاستيراد ما ينتجه الآخر بل لتصنيع ما يحتاجه الداخل وتصديره للخارج
ولذلك كانت رسالة اللواء مختار عبد اللطيف للدول العربية دعوة لاستعادة فكرة المشروع العربي الصناعي الواحد لأن مصر اليوم لا تعرض مجرد شراكة بل تقدم خبرة أرض ومصانع وبنية تكنولوجية جاهزة لأن تكون نواة لدرع صناعي عربي حقيقي
ومصر التي تعود الى موقعها الصناعي الاستراتيجي لا تعود وحدها بل تعود ومعها رؤية جديدة دولة تعرف أن قوتها الحقيقية ليست فقط في الجبهات بل في المصانع وفي خطوط الإنتاج وفي امتلاك القدرة لا استعارتها
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى