لقاء أبوظبي ورسائل الإقليم التى تتجاوز حدود العلاقات الثنائية

فى توقيت بالغ الحساسية تشهده منطقة الشرق الأوسط والقرن الأفريقي جاء اللقاء الذى جمع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالرئيس الإماراتى الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في أبوظبي ليطرح العديد من التساؤلات حول الملفات التى تقف خلف هذا التحرك وما إذا كانت البيانات الرسمية قد كشفت بالفعل كل تفاصيل اللقاء
وكالة أنباء الإمارات أكدت أن اللقاء تناول العلاقات الثنائية بين الإمارات وإسرائيل وسبل تعزيزها وتطويرها فيما أشارت تقارير إعلامية إلى أن اللقاء جاء أيضا في ظل تطورات إقليمية متسارعة واهتمام متزايد بالملف الإيراني والتحديات الأمنية في المنطقة
وتزداد أهمية الزيارة بسبب طبيعة الوفد الإسرائيلي المرافق لنتنياهو حيث أكدت مصادر إسرائيلية أن زوجته سارة كانت ضمن الوفد إلى جانب مسؤولين أمنيين كبار من بينهم رئيس الموساد ورئيس مجلس الأمن القومي والسكرتير العسكري ومسؤول أمني رفيع من جهاز الشاباك وهو ما يعكس أن الزيارة لم تكن مجرد لقاء بروتوكولي عابر بين مسؤولين سياسيين
كما أن توقيت الزيارة يلفت الانتباه بشدة إذ تأتي قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر وفي ظل نقاش داخلي واسع حول قضايا الأمن والاستخبارات ومسؤولية القيادة الإسرائيلية عن الإخفاقات التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر عام 2023
لكن اللافت أن تفاصيل المحادثات لم تعلن بصورة كاملة حتى الآن ولذلك فإن الحديث عن وجود ترتيبات محددة بشأن إيران أو الحوثيين أو ملفات عسكرية أخرى يظل في إطار التحليل والاحتمالات وليس المعلومات المؤكدة
وفي هذا السياق ظهرت تقارير تتحدث عن تحركات جوية لعدد من الطائرات التابعة لدول مختلفة نحو أبوظبي في التوقيت نفسه تقريبا وقد جرى تداول بيانات عن طائرات مرتبطة بليبيا والمغرب وقطر إلى جانب طائرات أخرى
إلا أن تتبع حركة الطائرات لا يكفي وحده لإثبات هوية الأشخاص الموجودين على متنها أو طبيعة المهام التي جاءت من أجلها أو وجود اجتماع إقليمي مشترك ولذلك فإن هذه التحركات تحتاج إلى أدلة مستقلة قبل الربط بينها وبين زيارة نتنياهو
وهنا تظهر القضية الأوسع وهي أن أبوظبي أصبحت خلال السنوات الأخيرة إحدى النقاط الرئيسية في شبكة العلاقات الإقليمية التي تجمع بين ملفات الأمن والاقتصاد والطاقة والتعاون السياسي والعلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل
وبالتزامن مع ذلك جاء الموقف الإماراتي من التطورات الأخيرة في إثيوبيا ليؤكد دعم أبوظبي لوحدة الدولة الإثيوبية وسيادتها وسلامة أراضيها ورفض تغيير النظام الدستوري بالقوة أو العمل المسلح
وقد أعلنت وزارة الخارجية الإماراتية بوضوح رفضها للهجمات التي شنتها جبهة تحرير شعب تيغراي والتحالف المسلح المتحالف معها كما دعت إلى وقف الأعمال العدائية والعودة إلى الحوار والالتزام باتفاق بريتوريا للسلام
وهذا الموقف يأتي في وقت يشهد فيه القرن الأفريقي تصعيدا خطيرا مع عودة المواجهات في شمال إثيوبيا واتساع المخاوف من تحول الصراع إلى أزمة إقليمية جديدة خاصة مع ارتباط ملف إثيوبيا بقضايا البحر الأحمر وأمن الملاحة والوصول إلى الموانئ وملف مياه النيل
ومن هنا فإن ما يحدث لا يمكن قراءته من زاوية لقاء واحد أو طائرة واحدة أو تصريح سياسي منفرد بل يحتاج إلى قراءة شاملة لخريطة المصالح والتحالفات التي تتشكل من جديد في المنطقة
أما بالنسبة لمصر فإن تطورات القرن الأفريقي والبحر الأحمر تظل ملفات ذات أهمية استراتيجية مباشرة بحكم الموقع الجغرافي وارتباط أمن البحر الأحمر بأمن قناة السويس وكذلك ارتباط ملف مياه النيل بالأمن القومي المصري
والرسالة الأهم في كل ذلك أن العلاقات الدولية لا تقوم دائما على الشعارات وإنما على المصالح والحسابات والقدرة على حماية الأمن الوطني
وقد تتغير التحالفات وتتبدل الأولويات وتختلف المواقف من أزمة إلى أخرى لكن ما يبقى في النهاية هو ما تسجله الأحداث وما يترتب على القرارات من نتائج
ولذلك فإن لقاء أبوظبي وما سبقه وما تلاه من تحركات وتصريحات يستحق المتابعة الدقيقة بعيدا عن التسرع في إطلاق الاستنتاجات أو تحويل التكهنات إلى حقائق
ففي منطقة تعيش على وقع أزمات متشابكة من غزة إلى إيران والبحر الأحمر واليمن وصولا إلى القرن الأفريقي تصبح كل خطوة دبلوماسية وكل تحرك سياسي وكل تفاهم إقليمي جزءا من مشهد أكبر لم تتضح جميع ملامحه بعد
والتاريخ لا يحاسب الدول على تصريحاتها فقط وإنما على مواقفها وقراراتها والنتائج التي تترتب عليها
وفي النهاية تبقى الحقيقة الأهم أن مصالح الشعوب وأمن الدول يجب أن تظل فوق الحسابات المؤقتة وأن منطقة الشرق الأوسط والقرن الأفريقي لا تحتمل مزيدا من المغامرات أو الصراعات التي يدفع ثمنها المواطنون قبل غيرهم








