وجهان بلا أقنعة… حين قدّمت وفاء عامر وحازم إيهاب الشرّ في صورته الأذكى بـ“الست موناليزا”

إذا كانت بعض الشخصيات الدرامية تُبنى على الطيبة الفطرية أو الصراع بين الخير والشر، فإن ما قدمته النجمة وفاء عامر والنجم حازم إيهاب في مسلسل الست موناليزا كان على النقيض تمامًا. نحن هنا لا نتحدث عن شخصيات طيبة انحرفت بفعل الظروف، ولا عن ضحايا أجبرهم الواقع على اتخاذ قرارات قاسية، بل عن نماذج إنسانية اختارت طريقها بوعي كامل، وتحركت داخل الأحداث بدوافع محسوبة، صنعت من البرود سلاحًا، ومن الابتسامة ستارًا، ومن الذكاء وسيلة للهيمنة.
شخصية وفاء عامر في العمل لم تُقدَّم باعتبارها امرأة مغلوبة على أمرها، بل كشخصية تعرف تمامًا ما تريد، وتدرك أثر كل خطوة تخطوها. لم تعتمد على الصراخ أو الانفعال المفرط لتأكيد حضورها، بل استخدمت ثقلها الفني لتصنع شرًا هادئًا، شرًا يرتدي ثوب الحكمة أحيانًا، ويتخفّى خلف مبررات اجتماعية مقنعة. وهذا النوع من الشخصيات هو الأخطر دراميًا، لأنه لا يصرّح بنواياه، بل يترك المشاهد يكتشفها تدريجيًا، فيصطدم بالحقيقة عندما تتكشف كاملة.
أما حازم إيهاب، فقد جسّد نموذجًا مختلفًا من القسوة؛ قسوة باردة، عقلية، خالية من التردد. لم يكن شره اندفاعيًا، بل محسوبًا بدقة، وكأن الشخصية تتحرك وفق خطة مرسومة سلفًا. النظرات الحادة، الهدوء المستفز، القدرة على قلب المواقف لصالحه دون انفعال واضح، كل ذلك صنع شخصية لا يمكن التعاطف معها بسهولة، بل تثير الغضب والرفض، وهو ما انعكس بوضوح في ردود فعل الجمهور.
اللافت أن العمل لم يحاول تبرير أفعال الشخصيتين أو تلميع صورتهما، بل تركهما في منطقة رمادية تميل بوضوح إلى العتمة. لم يمنحهما أعذارًا جاهزة، ولم يسعَ إلى استعطاف المشاهد، بل قدّمهما كما هما: شخصيتان تتحركان بدافع المصلحة، وتضعان أنفسهما في صدارة المشهد حتى لو كان الثمن انهيار الآخرين. هذا الاختيار الجريء في الكتابة منح الأداء مساحة أوسع، وجعل المواجهات أكثر حدّة وواقعية.
ومن منظور تحليلي، فإن نجاح الشخصيات غير الطيبة لا يتحقق إلا إذا صدّقها الجمهور، حتى وهو يرفضها. وهذا ما حدث تحديدًا. الغضب الذي اشتعل على منصات التواصل لم يكن رفضًا للأداء، بل دليلًا على قوته. فحين يكره المشاهد شخصية إلى هذا الحد، فهو في الحقيقة يعترف ضمنيًا بمدى إقناع الممثل في تجسيدها. لقد استطاعت وفاء عامر أن تجعل القسوة تبدو منطقية داخل سياق الشخصية، ونجح حازم إيهاب في إقناع الجمهور بأن البرود أحيانًا أخطر من العنف.
دراميًا، وجود شخصيات غير طيبة بهذا العمق يمنح العمل توازنًا مختلفًا، ويخلق صراعًا حقيقيًا لا يعتمد على النمطية. فالمشكلة ليست في وجود الشر، بل في كيفية تقديمه. وفي “الست موناليزا”، لم يكن الشر صاخبًا أو ساذجًا، بل جاء معقدًا، متدرجًا، ومتغلغلًا في تفاصيل العلاقات. وهذا ما جعل المواجهات تبدو واقعية، ومؤلمة، وأحيانًا صادمة.
في النهاية، يمكن القول إن قوة الشخصيات التي قدّمتها وفاء عامر وحازم إيهاب تكمن في أنها لم تسعَ إلى كسب تعاطف الجمهور، بل إلى استفزازه فكريًا وعاطفيًا. شخصيات غير طيبة، نعم، لكنها مكتوبة ومؤداة بذكاء، جعلها عنصرًا أساسيًا في نجاح العمل. فالدراما لا تزدهر بالملائكية وحدها، بل تحتاج أحيانًا إلى وجوه قاسية تكشف هشاشة الآخرين، وتضع المشاهد أمام سؤال صعب: ماذا لو كنت في هذا الموقف؟ وهل كنت ستختار طريقًا مختلفًا؟





