شئون دولية

واشنطن على حافة القرار الضربة المؤجلة لإيران ومخاوف الانفجار الإقليمى

حجم الخط:
تعيش الولايات المتحدة واحدة من أكثر لحظاتها ارتباكا فى التعامل مع الملف الإيرانى حيث تبدو واشنطن عالقة بين خيار الضربة العسكرية وخشية تداعياتها الاستراتيجية والسياسية على صورتها ونفوذها فى الشرق الأوسط فى ظل تصاعد قدرات طهران العسكرية وتغير موازين الردع فى المنطقة
وخلف الأبواب المغلقة تعمل الولايات المتحدة بالتنسيق الكامل مع إسرائيل فى معسكر سياسي وعسكرى مغلق لوضع اللمسات الأخيرة على سيناريو توجيه ضربة محتملة لإيران إلا أن التأخير المستمر فى تنفيذ هذه الضربة يعكس حالة تردد واضحة داخل دوائر القرار فى واشنطن وتل أبيب
مصادر التردد تعود بالأساس إلى القلق من طبيعة الرد الإيرانى المتوقع خاصة بعد التطور اللافت فى القدرات الصاروخية الإيرانية خلال الفترة الأخيرة إلى جانب تحديث منظومات الدفاع الجوى بدعم روسي وتغيير أنظمة الملاحة والرادار إلى منظومات صينية متقدمة فضلا عن التطور الكبير فى الطائرات المسيرة وعلى رأسها مسيرة شاهد التى أثبتت كفاءة عملياتية عالية فى أكثر من ساحة
ورغم وصول حاملة الطائرات الأمريكية لينكولن بالفعل إلى الشرق الأوسط وتصاعد الحشد العسكرى الأمريكي بصورة غير مسبوقة فإن الحسابات الميدانية باتت أكثر تعقيدا مع إدراك واشنطن أن حاملات الطائرات لم تعد أدوات ردع آمنة فى بيئة مشبعة بالصواريخ الدقيقة ما دفع البنتاجون للاعتماد بشكل أكبر على الغواصات كخيار أقل عرضة للاستهداف وأكثر قدرة على تنفيذ ضربات مفاجئة
السيناريو الوحيد الذى تسعى إليه إدارة ترامب حاليا يتمثل فى تنفيذ ضربة محدودة خاطفة لا تتحول إلى حرب مفتوحة على أن تنتهي خلال 48 ساعة باعتبار أن إطالة أمد المواجهة ستكون كارثية على إسرائيل وعلى استقرار الخليج العربي
في هذا السياق جاء الموقف الإماراتي اللافت بإعلان سيادتها الكاملة على مجالها الجوي ورفض استخدامه في أي عمليات عسكرية ضد إيران في خطوة تعكس قراءة دقيقة للمشهد الإقليمي ومخاوف حقيقية من أن تكون القواعد الأمريكية في الخليج أهدافا مباشرة لأي رد إيراني محتمل خاصة في الإمارات وقطر
التحرك الإماراتي لا يمكن قراءته كرسالة سياسية ضد واشنطن أو دعما لطهران بقدر ما هو إجراء وقائي يهدف إلى النأي بالدولة عن دائرة النار المباشرة في حال انفجرت المواجهة حيث تدرك أبوظبي أن الرد الإيراني الأول سيكون موزعا بين استهداف إسرائيل والقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة
على الجانب الآخر لا تبدو إيران في وارد الصمت أو امتصاص الضربة دون رد حيث تعمل طهران على تجهيز ملفات رد متعددة تشمل الحلفاء والميليشيات المنتشرة في أكثر من ساحة عربية إلى جانب امتلاكها أوراق ضغط استراتيجية مثل مضيقي هرمز وباب المندب عبر حلفائها في اليمن
كما تعزز إيران موقفها بدعم غير مباشر من روسيا والصين وربما باكستان في حال أثبتت قدرتها على الصمود والرد السريع والدقيق وهو ما يشكل شرطا أساسيا لدخول هذه القوى على خط الدعم السياسي أو الاستراتيجي من خلف الكواليس خاصة مع الموقف الروسي المعروف بعدم دعم طرف ينهار في أول اختبار
يضاف إلى ذلك نجاح الأجهزة الأمنية الإيرانية خلال الفترة الماضية في تفكيك شبكات تجسس واسعة وتنفيذ أحكام رادعة ما قلل من فرص تكرار سيناريو الضربات من الداخل الذي حدث في مواجهات سابقة
في المحصلة تقف المنطقة أمام لحظة شديدة الحساسية حيث تدرك واشنطن أن أي خطأ في التقدير قد يشعل مواجهة إقليمية واسعة لا يمكن السيطرة على نتائجها فيما تراهن طهران على معادلة الصمود والرد السريع لتثبيت معادلة ردع جديدة قد تعيد رسم قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط بالكامل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى