فن وثقافة

هيثم شاكر… حين يعود صوت الإحساس ليقود ليالي رمضان ويحوّل خيمة وناسة إلى مسرح للحنين

حجم الخط:

في زمنٍ تتسارع فيه الإيقاعات وتعلو فيه الموسيقى الصاخبة على حساب المعنى، يظل هناك صوت واحد قادر على أن يبطئ الزمن قليلًا، أن يجعل المستمع يهدأ ويصغي، لا بأذنه فقط بل بقلبه أيضًا؛ صوت النجم هيثم شاكر، الذي يستعد لإحياء واحدة من أقوى السهرات الرمضانية هذا الموسم داخل خيمة وناسة، في موقعها المميز داخل The Ark الشيخ زايد، في ليلة يُتوقع أن تكون أقرب إلى جلسة طرب طويلة منها إلى حفل تقليدي عابر.

 

هيثم شاكر ليس مجرد مطرب يصعد المسرح ليؤدي قائمة أغنيات محفوظة ثم يرحل، بل حالة وجدانية كاملة، صوت تربّت عليه أجيال كاملة في لحظات الحب الأولى، وفي الخيبات الصغيرة، وفي ليالي السهر الطويلة التي لا يرافقها سوى أغنية صادقة، ولذلك فإن أي حفل له يتحول تلقائيًا إلى مساحة اعتراف جماعي بالمشاعر، حيث يجد كل شخص في القاعة جزءًا من حكايته داخل كلمات أغنياته.

 

الانفراد في هذه السهرة لا يرتبط فقط باسم النجم أو بخصوصية المكان، بل بطبيعة التجربة نفسها؛ فـ هيثم شاكر من المدرسة التي تؤمن بأن الغناء رسالة إحساس قبل أن يكون استعراضًا صوتيًا، لذلك لا يعتمد على الزخارف المبالغ فيها أو الاستعراضات التقنية المعقدة، بل يراهن على صدق النبرة، وعلى تلك الرجفة الخفيفة في صوته التي تجعل الكلمة تصل مباشرة إلى القلب دون وسطاء.

 

ومن يتأمل مسيرته الفنية يدرك أن هذا النجاح لم يأتِ من فراغ؛ فالرجل بنى مشروعه بهدوء وعلى مهل، بعيدًا عن ضجيج السوق وتقلبات الموضة، متمسكًا بخط رومانسي إنساني واضح، يختار كلماته بعناية، ويبحث عن اللحن الذي يعيش طويلًا لا الذي يشتعل سريعًا ثم ينطفئ، ولهذا ظلت أغنياته حاضرة في الذاكرة مهما مرّت السنوات، وكأنها تُولد من جديد في كل مرة نستمع إليها.

 

في خيمة وناسة، يتوقع الجمهور ليلة بطعم مختلف؛ ليلة لا تعتمد فقط على قوة الصوت، بل على الجو العام الذي يشبه ليالي القاهرة القديمة، حيث الطاولات المتقاربة، والأنوار الدافئة، والوجوه المبتسمة، وصوت الفرقة الحية يعزف بتمهل، ليصعد هيثم شاكر وسط هذا المشهد وكأنه جزء طبيعي منه، لا نجمًا بعيدًا عن الناس، بل واحدًا منهم يحكي حكاياتهم ويغنيها.

 

اللافت في حضور هيثم شاكر أنه يملك تلك الكاريزما الهادئة النادرة؛ لا يحتاج إلى حركة زائدة أو استعراض مبالغ فيه ليجذب الانتباه، يكفي أن يقف ممسكًا بالميكروفون ويبدأ أول جملة حتى يصمت المكان كله تلقائيًا، كأن هناك اتفاقًا غير مكتوب بينه وبين الجمهور: هو سيمنحهم الإحساس، وهم سيمنحونه الإنصات الكامل.

 

وخلال السنوات الأخيرة، أثبت هيثم شاكر أنه ليس أسير لون واحد كما يعتقد البعض، بل فنان قادر على التجديد داخل منطقته الخاصة، يقدّم الرومانسي بطابع عصري، ويمزج بين التوزيعات الحديثة والروح الشرقية الأصيلة، فيخلق معادلة صعبة تحافظ على الهوية دون أن تبدو قديمة، وتواكب الذوق الجديد دون أن تفقد العمق.

ولأن رمضان تحديدًا شهر اللمة والذكريات، تبدو أغنيات هيثم شاكر وكأنها خُلقت لهذه الأجواء؛ أغنيات تُسمع جماعيًا، يرددها الحضور معًا، يتبادلون النظرات والابتسامات، يسترجعون قصصًا قديمة ارتبطت بكل لحن، وهنا يتحول الحفل من عرض فني إلى تجربة شعورية كاملة، حيث يمتزج الغناء بالحنين، ويصبح المسرح مساحة للذكريات المشتركة.

 

النقاد يرون أن اختيار هيثم شاكر لليلة الافتتاح في وناسة يحمل دلالة واضحة؛ فالرجل يمثل مدرسة “الإحساس أولًا”، وهي المدرسة التي تعود بقوة في ظل تشبّع الجمهور بالأصوات المتشابهة والأغاني السريعة، لذلك فإن الرهان عليه هو رهان على الجودة والرقي، وعلى جمهور يبحث عن الطرب الحقيقي لا الضجيج المؤقت.

 

ومن المتوقع أن يقدّم باقة من أشهر أعماله التي صنعت اسمه، إلى جانب مفاجآت خاصة وتوزيعات جديدة تناسب أجواء السهرة، مع حضور واضح للآلات الشرقية الحية التي تضيف دفئًا خاصًا للصوت، ليصبح كل مقطع أقرب إلى حكاية تُروى لا مجرد أغنية تُؤدى، وهي التفاصيل التي يجيدها هيثم شاكر ويعرف كيف يوظفها لصالح الحالة العامة.

 

ف، يمكن القول إن ليلة هيثم شاكر في خيمة وناسة ليست مجرد موعد فني على خريطة الحفلات، بل حدث ينتظره عشاق الإحساس الصادق كطقس رمضاني ثابت، ليلة يهرب فيها الناس من صخب العالم إلى صوت يعرف كيف يلمس الروح دون استئذان، وحين تُطفأ الأنوار وتبدأ الموسيقى، سيقف هيثم شاكر بهدوئه المعتاد، يغني وكأنه يحكي لنا سرًا شخصيًا، فنكتشف أننا جميعًا نشترك في هذا السر… وأن بعض الأصوات لا تُسمع فقط، بل تُعاش.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى