مقالات

هاني الشريف يكتب : كيف تُعاد هندسة الأداء والإنسان داخل المؤسسات الحديثة؟

هاني الشريف

حجم الخط:
في عالم تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية، لم تعد المؤسسات تُقاس بحجمها أو تاريخها، بل بقدرتها على التكيف، وصناعة القرار، وبناء الإنسان القادر على الاستمرار. وهنا يبرز سؤال جوهري:
هل ما زالت أنماط الإدارة التقليدية قادرة على قيادة هذا العالم المتغير؟
الإجابة الواقعية: لا.
*أولاً: أزمة الإدارة بالضغط … ولماذا لم تعد صالحة؟*
لسنوات طويلة، اعتمدت مؤسسات كثيرة على نموذج “الإدارة بالرقابة والضغط”، حيث يُنظر إلى الموظف باعتباره منفذاً للأوامر، وتُقاس كفاءته بعدد الساعات لا بجودة النتائج.
هذا النموذج ربما حقق نتائج قصيرة المدى، لكنه خلق على المدى الطويل:
١- إحتراقاً وظيفياً
٢- إنخفاضاً في الولاء
٣- مقاومة خفية للتغيير
٤- أداءً شكلياً بلا روح
المشكلة لم تكن في الموظفين، بل في فلسفة القيادة نفسها.
*ثانياً: من “مؤدّي مهام” إلى “شريك في النجاح”*
القيادة الحديثة لا تبدأ من الأدوات، بل من إعادة تعريف العلاقة بين القائد والفريق.
الموظف اليوم لا يبحث فقط عن راتب، بل عن:
١- معنى لما يفعله
٢- تقدير حقيقي
٣- مساحة تأثير
٤- شعور بالانتماء
عندما يتحول الموظف إلى شريك في النجاح، تتحول طاقته من الحد الأدنى المطلوب إلى الأقصى الممكن.
وتجربتي العملية تؤكد أن رفع الإنتاجية بنسبة تصل إلى 40% ممكن دون زيادة ساعات العمل، فقط عبر:
١- تحسين بيئة القيادة
٢- بناء الدافع الداخلي
٣-وضوح الرؤية والأهداف
_الأداء الفائق لا يُفرض بالقوة … بل يُبنى بالوعي._
*ثالثاً: الصراعات الداخلية … العدو الصامت للمؤسسات*
كثير من المؤسسات تخسر وقتاً ومالاً دون أن تشعر، بسبب:
١-صراعات بين الإدارات
٢- سوء فهم أنماط الشخصيات
٣- غياب التواصل الفعّال
٤- هذه الصراعات لا تظهر في التقارير، لكنها تظهر في:
١- بطء اتخاذ القرار
٢- ضعف التعاون
٣- تضارب الأولويات
_القيادة الذكية لا تلغي الخلاف، بل تديره وتحوله إلى تكامل._
ومن هنا تأتي أهمية فهم أنماط الشخصيات (مثل DISC)، وبناء جسور الثقة، وامتلاك مهارات الاحتواء القيادي دون ضعف أو تردد.
_الصراع غير المُدار أخطر من المنافس الخارجي._
*رابعاً: القيادة بأسلوب واحد … وصفة مؤكدة للفشل*
من أكبر الأخطاء القيادية الاعتقاد أن أسلوباً واحداً يصلح للجميع.
الحقيقة أن:
الموظفين يختلفون في الكفاءة
والمواقف تختلف في طبيعتها
والقرارات تختلف في حساسيتها
القيادة بالذكاء الموقفي تعني أن يعرف القائد:
١- متى يكون حازماً
٣- متى يكون موجهاً
٣- متى يفوض بثقة
_القائد الذي لا يغيّر أسلوبه بتغيّر الموقف، سيفشل حتى لو كانت نواياه جيدة._
*خامساً: أخطر سؤال قيادي … ماذا يحدث إذا غبت؟*
الاعتماد على “الشخص الواحد” هو أكبر تهديد للاستدامة المؤسسية.
المؤسسات القوية لا تتوقف بغياب قائد، لأنها:
١- تبني صفاً ثانياً قيادياً
٢- تنقل المعرفة ولا تحتكرها
٣- تمارس التفويض الذكي لا الشكلي
صناعة القائد الإداري الثاني ليست رفاهية، بل ضرورة استراتيجية تضمن:
١- إستقرار القرار
٢- إستمرارية العمل
٣- تقليل المخاطر
_القائد الحقيقي يُقاس بقدرة المؤسسة على الاستمرار بدونه._
*الخلاصة: القيادة ليست منصباً … بل أثر*
القيادة الحديثة لم تعد:
سيطرة
أو أوامر
أو متابعة دقيقة
بل أصبحت:
١- وعياً
٢- تأثيراً
ومسؤولية تجاه الإنسان والكيان معاً
إن بناء مؤسسات قوية يبدأ ببناء قادة يفهمون الإنسان قبل الأرقام، ويصنعون الأنظمة لا الأبطال، ويتركون أثراً لا ضجيجاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى